أعيد الكلام لأهميته، لأن هذا التطور له أهمية في النهاية كيف يصور الكتاب موضوع الدولة وما هي المشقة التي يجابهها المسلمون في إنشاء الدولة. وأنا أعيد هذا الكلام وربما يطول المجلس اليوم؛ لأن كل فقرة فيه اضطررت أن أكتب عليها مهمة، ما وجدت فقرة فيه من الحشو. وأي فقرة يلغيها القارئ لهذا الكتاب سيفوته خير كثير، ولن يستطيع أن يتصور الكتاب تصورًا صحيحًا. أنا أقول لكم هذا بصراحة.
أرجع فأقول لما فشلت الجهود الاستشراقية العلمانية الخبيثة بإفراغ الإسلام من الدولة من جهة شرعيتها قلت لعل هذا الكتاب جاء ليمنع وجود الدولة الإسلامية من جهة قدرية. لماذا؟ لأن العنوان هكذا (الدولة المستحيلة) أنها قدريًا لا يمكن أن توجد؛ لماذا؟ لأن الإسلام بأفقه الأخلاقي العالي وبتركيبة الدولة القائمة على قضيتين -كما يقول هو- على الشريعة وعلى التاريخ، وجود النموذج والمثال. والرجل مُعظِّم لتجربة الإسلام من جهة الدولة تعظيمًا شديدًا، وهو ناقد خطير لمفهوم الحداثة.
فأنا كنت أظن أنه يقول بأنه لما كانت الحداثة قد سيطرت بصورها الثلاثة كما سيأتي في كلامه عن الثلاثة قطاعات وكلها تعود إلى قطاع واحد وهو قطاع الاقتصاد، فسيطرت الحداثة. والحداثة بمعنى العلمانية في أفقها المتطور جدًا جدًا.
فلما سيطرت الحداثة بفراغها من عالم القيم، وارتباطها بعالم الاقتصاد، وفراغها من الجانب الأخلاقي تمامًا، مجرّدة من الأخلاق تمامًا، يُجابهها دولة إسلام قائمة على الأخلاق في أبعادها الكلية، إذًا لا يمكن أن تنشأ الدولة. هذه فورًا أنتجت لدي أن الرجل يؤمن بنهاية التاريخ بهذا التصور المطروح؛ لأنه حينئذ يقول قائل: لا يمكن أن ندمر الحداثة، وأن الحداثة هي قدرنا اللازم الذي تطورت فيه البشرية حتى وصلت إلى النموذج الأقوى فيما يمثله النظام الغربي الأمريكي والأوروبي، فهذا قدر لا يمكن الانفكاك منه، ليأتي الدعاة المسلمون لمصارعة هذه الحداثة فلن يستطيعوا التغلب عليها، إذًا ما معنى هذا الكلام؟ أنه يؤمن بنهاية التاريخ.
وهو حذّر في بداية الكتاب، فأنا ظننت أن هذا التحذير هو من قبيل ذرّ الرماد في العيون.
وهو لا يقول بهذا، لا يقول بأن الدولة المستحيلة -وهي الدولة الإسلامية- هي دولة لا يمكن أن تنشأ، لكن المعوقات داخليًا ليس من جهة قيم الإسلام في تحقيق دولة إسلامية قائمة على الأخلاق، لكنها من جهة قُدرة المسلمين على إنتاج ما بعد الحداثة. ماذا يعني هذا الكلام؟