يعني أنه يقول بأن المسلمين إذا أرادوا دولة إسلامية كما هي حقيقة مما تُفرزه الشريعة في قيمها العُليا، وكما تُفرزها تجربة الإسلام في إنشاء الدولة التاريخية العظيمة القائمة على الأخلاق لا بد أن يصلوا إلى قوة الأوربيين والأمريكان في إنتاج دولة الحداثة ضد الدولة التقليدية القديمة. هذا كلام من أروع ما يكون. وهذه حقيقة وهو يعترف بهذا، يقول: إذا أراد المسلمون إنتاج دولة فيجب أن يكون عندهم قدرة عظيمة هائلة تستطيع أن تُكنِّس الحداثة لتُنتج ما بعد الحداثة. هذه القدرة يشابهها تاريخيًا كما فعلت أوروبا وأمريكا في تكنيسها للنظام الكنسي والإقطاعي لتنتج دولة حداثية معاصرة. يعني يعتبر أن الإسلام هو خطوة عظيمة لما بعد الحداثة.
إذًا أي تصور يُنشئه هذا الكتاب أو عنوان هذا الكتاب خارج إطار قراءته كاملًا هو تصور خاطئ؛ هذا الكتاب مبني بناءً رياضيًا متكاملًا ولا يوجد فيه خرم. رجل ذكي، رجل قارئ جيد، رجل يضع الأمور في نِصابها، وكذلك صادق مع نفسه، وهو يطعن بقوة البيئة التي يعيش فيها.
الأسس التي أقام عليها الكتاب هي القضايا التالية:
القضية الأولى: تصوره لدولة الإسلام تصورًا صحيحًا، وفاق في ذلك من زعموا أنهم كتبوا عن الإسلام الحداثي.
هل هناك مسلمون أرادوا إسلامًا حداثيًا؟ الجواب: نعم. عندما نقرأ كتاب (الحريات العامة في الدولة الإسلامية) للأستاذ راشد الغنوشي، هو يريد إسلامًا حداثيًا، وبالتالي تيار الأستاذ راشد الغنوشي في موضوع إنشاء الدولة المسلمة هو تيار حداثي، لكنه ليس تطويرًا للحداثة بمقدار طيّ وليّ الإسلام ليتوافق مع الحداثة.
انظر الرجل هذا نصراني وخبير وهو يفهم دولة الإسلام في أبعادها الصحيحة أكثر مما يكتبه المسلمون!.
وكذلك لما نقرأ طريقة تفكير الأستاذ حسن الترابي -ولا بأس أن نستخدم كلمة أستاذ احترامًا على قاعدة"عظيم الروم"-، لما يأتي إلى مفهوم الدولة هو يريد أن يوصل الدولة المسلمة إلى طريقة الفهم الحداثي للدولة، ولا يبقى بالإسلام ليكون انقلابًا عن حداثة، لأنه يطرح الحداثة بمفهومها الصحيح.
إذًا أولًا هذا الكتاب يُقيِّم دولة الإسلام تقييمًا صحيحًا، يقول بأن دولة الإسلام لا ترتكز فقط على الشريعة. كأنه حين قال هذه الكلمة وهي كلمة صحيحة، وهو رجل ذكي، وهو قارئ لأصول الفقه قراءة جيدة، لأنه في الحقيقة استخدام لفظ