رفع عنهم أي قيمة في إمكانية وجود حركة حياة تُسمى"الدولة"بمرتكز الأخلاق. بمعنى أنه يقول لا يمكن لأي فيلسوف وكما يقول: كلهم لا يمكن أن ينشؤوا دولة ذات بعد أخلاقي. لماذا؟ لأن أساس ذكر الفلسفة هو إنتاج الذات. ما هو الفكر؟ هو إنتاج الذات. والنص القرآني من أين؟ من الله. وإنتاج الذات لا يمكن أن يُنشئ هذه القوة الدافعة لتحمُّل الثقل الأخلاقي أمام الواقع.
ولذلك من يتصوّر أنه يمكن أن تُنشئ العلمانية -وبالمفهوم الثاني الحداثة- أي تصرف اقتصادي، سياسي، عسكري، ذا بعد أخلاقي، فهو مخطئ! وهذا بخلاف الدولة الإسلامية، لأنها مُنتَج إلهي، لأنها وضع إلهي باعتبارها شريعة منزلة من الله. و من هنا حصل الخلاف. الخلاف الشق الأكبر، انظر من يقول هذا الكلام من الذين يتكلمون عن الدولة الإسلامية؟ المتطرفون. من الذي يقول هذا الكلام الذي قلناه وأنا أتكلم في الجانب الإسلامي وليس في الجانب الآخر. من الذي يقول لا يمكن التقاء الحداثة مع الإسلام؟ من الذي يقول لا يمكن إنتاج الدولة الإسلامية ببعدها المدني الفلسفي الحداثي؟ الذين يُسمَّون بالمتطرفين، ما يقوله سيد قطب ومن هو على شاكلته. أما عامة من يتكلم عن الإسلام اليوم ببعده السياسي يريدون دمج الجاهلية مع الإسلام على شكل من الأشكال.
بل ويذهب أكثر من هذا -وهذا في الفصول الأخيرة-، وهذا الرجل بريء من تهمة التعصب، هو يتكلم من جهة دراسة علمية، يقول بأن"من ظن أن دولة الحداثة المعاصرة هي دولة محايدة يمكن أن تُملأ بأي فكر ما، هو واهم جاهل". الكثير من المسلمين الآن ماذا يفعلون؟ يعملون ضمن دائرة الدولة الحديثة الموجودة يريدون أن يجعلوا فيها الإسلام. يعني يذهبون إلى البرلمان يريدون الإسلام، يذهبون إلى الإصلاح يريدون الإسلام لكن ضمن دائرة الدولة الحديثة، يقول: إن هؤلاء جهلة.
لا أدري هو يتكلم هذا الكلام بعد تجربة مرسي في مصر وتجربة حزب النهضة في تونس وهذه التجارب أم لا، أما المترجِم فيترجم الكتاب ولا شك بعد سقوط هذه التجارب، ولكن هذا لا يهمنا، التجارب ليست ذات دلالة كبيرة في هذا الكتاب. هو يعود إلى قضية تصوره للإسلام باعتباره بُعدًا أخلاقيًا مربوطًا بكون الإنسان عبدًا لله، وكون الدولة المعاصرة هي دولة مُنْتَجة مِن قِبل الذَّات -الإنسان-، ولا يمكن لدولة إذا أنتجها الإنسان أن تكون ذات بعد أخلاقي. لماذا؟ لأن الأخلاق ثِقل، والأخلاق مشقة، لا يمكن أن يلتزمها أصحاب المصالح.