ومن كتب المعاصرين الّتي ينبغي أن تقرؤوها ولا تُعرف إلّا بضدّها، ما انتشر من كتب محمد عابد الجابري، ولا تُقرأ هذه الكتب إلّا مع كتب جورج طرابيشي. هذا كتابنا مذبحة التراث وهو يُعتبر كمقدّمة لكتبه الأخرى في نقد الجابري للعقل العربي. ومن ذلك كذلك تقرؤون كتب طه عبد الرحمن في نقضه، فهذه كذلك كتب جدلية مهمّة.
ومن الكتب الجدلية المهمّة كتب عبد الجبار المعتزلي في إعجاز القرآن في ردّه على من قال بالصرفة، لا أريد أن أتكلّم عنها؛ لأنّنا سنختار كتاب أو كتابين في إعجاز القرآن وسنتكلم عن هذا المذهب. مذهب الصرفة الّذي قال به بعض المعتزلة ونُسب خطئًا إلى الجاحظ. الجاحظ هو ضد مذهب الصرفة ولكن ينسبونه إليه.
إذًا من مبادئ فنّ القراءة أيّها الإخوة الأحبّة أنّ القراءة تولّد القراءة. وهذه قاعدة عظيمة تحتاج إلى شرح مفصّل ولكن أنا ذكرتها لهذا الباب. من الكتب الجدلية التي تولّد قراءة هو هذا الكتاب الّذي بين أيدينا. كتاب (مذبحة التراث) يولّد لدينا قراءات وليس قراءة واحدة.
هذا المحور الّذي فرغنا منه ولا نريد أن نعود إليه في هذه الجلسة إلّا بسؤال أو استفسار أو ضرورة.
المحور الثاني الّذي ينبغي أن نهتمّ له في قراءتنا لهذا الكتاب. هذا الكتاب كتاب جورج طرابيشي وهو بعنوان (مذبحة التراث) يلقي بظلال مهمّة، أريد أن تنتبهوا إليها. لا يكفينا فقط أن نقرأ نقده للتيارات الثلاثة الّتي جعلها نموذجًا لذبح التراث وإفساده وإزالة أجزائه كما قال هو المهمّة فيه، هناك ظلال. هذا الكتاب لا ينبغي ألّا تقرأه ينبغي أن تقرأ الظلال. ومرّات كثيرة تكون الظلال أهمّ من الحقيقة. التداعيات تكون أهمّ من الفعل. مرّات كثيرة.
أوّل ما يلقي هذا الكتاب علينا من ظلال أهمّية الدين. لمن قرأ هذا الكتاب يجد أنّ هذه التيارات وخاصّة التيّار اليساري الاشتراكي الشيوعي والتيّار الثاني هو القومي، وقد أفاض في القومي لأسباب سآتي إليها إذا لم أنس لماذا أفاض في التيّار القومي دون التيّار اليساري. ثمّ جاء إلى التيار الثالث وهو تيّار معرفي وليس سياسي. التيّار الشيوعي تيّار سياسي، يوجد في أرض الصراع العملي والسياسي ثورات، التيّار القومي يريد أن يبني دولة ويتعامل مع أمّة ويصارع غيره. التيّار الإبستمولوجي أو المعرفي أو التيّار العلمي الإبستمولوجي كما سمّاه، وهو تيار محمّد عابد الجابري وهو كان شيوعيًا، لهذا تيار معرفي. وكذا التيّار العلمي الذي يقوده زكي نجيب محمود، له آثاره في عالم الأكاديميات وهو مهمّ، وهذا ليس تقليلًا من شأنه ولكن لو قارنّاه مع التيّار القومي والتيّار الشيوعي لوجدنا الفارق كبيرًا.