فهرس الكتاب
إذًا هو كان واسعًا مذاهب إسلامية معاصرة، جاهلية القرن العشرين، قراءة الواقع باعتباره جاهلية. هذا صاحب موقف، أن يضع المرء عنوانًا لكتاب جاهلية القرن العشرين إذًا هو صاحب التزام، وصاحب قضيّة. يعني لو أنت أخذت هذا الكتاب وقارنته في كتاب محّمد بن عبد الوهاب لوجدته متناسقًا في العنوان، كتاب لمحمّد بن عبد الوهاب اسمه المسائل الّتي عليها الجاهلية، والكتاب موجود، فهو يتحدّث عن جاهلية القرن العشرين، إذًا هو ملتزم.
أريد أن أقول أنّ قراءتنا لمحمد قطب قراءة أشمل من قراءة أخيه، بالرغم أن قراءة سيّد أعمق. كونها أشمل، فاستطاع أن يصل محمد قطب إلى جوانب في فهم الجاهلية وخطوطها الفرعية الدقيقة ما لم يقله سيّد ولم يعرفه، لماذا؟ لقراءته المتسعة، قراءته الغربية، قراءة الأدب، قراءة الثقافة، قراءة الفكر، قراءة المناهج، قراءة المذاهب، فكان وسيعًا في هذا.
ولا يغرّنكم سهولة الأسلوب! بالرغم أن المرء هو وأسلوبه، لأنّي أظّن أن سهولة الأسلوب مقصودة من الأستاذ، وهذه سنمرّ عليها، أنّ سهولة الأسلوب مقصودة؛ ذلك لأنّ الكتابة الأدبية الراقية بالعبارات الفخمة الجزلة لا تصل إلى كل النّاس. وهذه مشكلة حقيقة. يعني الآن أنت لو أحضرت كتب طه حسين -أنا أتكلّم عن الأسلوب- وأحضرت كتب الرافعي، وأعطيتها لطالب الجامعة، على اعتبار أنّ طالب الجامعة هو طالب الإعدادي زمان! فقلت له اقرأ: أنا متأكدّ بعد أن يقرأ صفحتين ثلاثة من الرافعي ويرمي الكتاب، ويقول لك: الله يسعدك أنا جاي أفهم ولا جاي أحلّل الكلام ماذا يريد، يعني جاي أسمع ما يقول ولا أمرّ لأصل لفهم ما يقول، وما هي دعوته، حتى أمرّ على هذه القناطر الكثيرة؛ لأفهم ماذا يريد، قبل أن أؤمن بما يقول عليّ أن أتعلّم ماذا يقول، ماذا يقول في تحليل الكلام الصعب الشاق. وأمّا إذا قرأت ما يكتبه -على الرغم أنّ طريقة كتابة طه حسين متعبة جدًا، لكن أنا أتكلّم عن سهولة العبارة. يعني أن تقرأ فتفهم ما يقول، وبسرعة ومن غير مشقّة.
ولذلك هناك حالات ينبغي أن يكون للشيخ تلميذ يعبّر عنه بلغة تصل إلى أقصى الناس، ومن ذلك الأستاذ محمود شاكر. الأستاذ محمود شاكر كتابته فخمة، جزلة، صعبة، فكان هناك بعض تلاميذه يقومون بهذا الدور مثل أنور الجندي. يعني الحقيقة الكثير من الباحثين يعتبرون أن الأستاذ"أنور الجندي"هو ظلّ الأستاذ شاكر؛ لأّنه يأخذ الفكرة فيصنع بها كتابًا، ويأتي بالأدلة والنقل والمناقشة، والناس يقرؤون لأنور الجندي يفهمون ما يقول. والآن من يقرأ للأستاذ الرافعي، ويقرأ لمحمود شاكر؟ لا يقرأ إلّا المثقّف الذي يستطيع أن يحلّل العبارة الجزلة الفخمة القديمة.