فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 715

هذا المسار الذي سار عليه في ظني، وإن كان طبعًا قد وافقه غيره في هذا المسار على اعتبار أن الثقافة الإسلامية تعني الجانب المعرفي، إلا أنه ركّز تركيزًا كبيرًا جدًا على أن الثقافة الإسلامية ليست معرفة فقط وإنما هي أيضًا سلوك.

إذًا الثقافة الإسلامية لم تتجرَّد عن السلوك إطلاقًا، ولو كانت مجرَّدة عن السلوك إذًا ما الفائدة من قضية الآخرة أو ما فائدة قول"لا إله إلا الله"إذا لم تتحول هذه الكلمة من معرفة إلى سلوك؟ كلمة"لا إله إلا الله"تكفي عند المرجئة، وعند الجهمية، لكن كلمة"لا إله إلا الله"عند المسلمين لا بد لها أن ترتبط بالعمل ارتباطًا مباشرًا.

والجانب الآخر أو الطريقة الأخرى التي سار عليها: من أمسك بزمام المبادرة فيما يُسمى بالثقافة بالمفهوم الممِّيز لها. ما معنى المفهوم المميز؟ أن أدرس الثقافة الغربية، المذاهب الفكرية المعاصرة الموجودة، ثم أقرأها قراءةً جيدة، أبيّن محاسنها ومساوئها في ضوء الإسلام.

إذًا هو أسّس لمفهوم جديد مميِّز للثقافة الإسلامية؛ ولذلك ألّف كتاب (المذاهب الفكرية المعاصرة) فضلًا عن الكتب السابقة التي كان يناقش فيها المذاهب التي غزت البلاد العربية الإسلامية.

وكان لي شرف دراسة هذا الكتاب على يديه في السنة الأولى المنهجية، وطبعًا ناقش فيها مجموعة من المذاهب الفكرية المعاصرة منها: العلمانية، الديمقراطية، والرأسمالية، والماركسية الشيوعية. وتخرّج على يديه مجموعة من الشخصيات؛ من هذه الشخصيات من التزم التزامًا كاملًا بهذا المنهج وسار عليه، ومنهم من أخذ الشهادة ونام عليها. وأعرف طبعًا بعضًا من هؤلاء الشخصيات التي عاشت معي مباشرة. يعني كانوا هؤلاء يتكسَّبون من خلال درجة الدكتوراة.

في الواقع هو ربّى جيلًا! هذا الجيل قائم على مفهوم محدد: أولًا يجب أن يهتم الناس أو العلماء الذين درسوا عليه اهتمامًا كاملًا بالتوحيد، ويعلّمون الناس، قبل أن يفكّروا بالخروج أو الاصطدام مع الأنظمة الحاكمة السياسية. هذا المفهوم طبعًا غير موجود عند الجماعة الإسلامية السابقة؛ ولذلك هو خطّأ الجماعة الإسلامية"الإخوان المسلمون"واتهمهم بأنهم لا وعي عندهم إطلاقًا في السياسة الشرعية، ولا حتى بالبُعد الرِّسالي الذي بُعث فيه الأنبياء.

فأشار في كل محاضراته إلى أنه لا بد من تعليم الناس التوحيد، قبل أن يفكّروا بقضية الاصطدام مع الأنظمة السياسية المعاصرة سواء كانت هذه الأنظمة علمانية، أو ديمقراطية، أو ما شاكل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت