وهذه أنا أمدح فيها الكتاب، أنا لا أستطيع أن أقيّم كل الكتب، ولكن أزعم أن الأستاذ محمد قطب انفرد في هذه النقطة.
القصد أنه عندما نقيّم ما فعله معاوية -رضي الله عنه- في تعيين ابنه يزيد ليس له دليل قوي، بل في الحقيقة أنا كنت لوقت طويل أتبع ما يقوله محب الدين الخطيب وما يقوله فلان من مدح يزيد وذكر حسناته، حتى قرأت كلام عبد الله بن حنظلة الغسيل وهو ذهب عنده وزاره لعدة أشهر، وهو رجل عابد تقي، من الزهّاد، وكان معتزلًا الفتن، وهو في المدينة يرفض أي أحد يتكلم عن يزيد كلمة، فاستدعاه يزيد إلى دمشق وعاش عنده مدة ورأى ما رأى ورجع إلى أهل المدينة ووصف لهم ما رأى في يزيد من الأعمال وحرَّض على الخروج عليه، ووقعت فِتنة الحرَّة بقيادة عبد الله حنظلة الغسيل -رحمه الله- وهو تابعي.
قارن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بعبد الله بن الزبير! بل أهل السنة كما تعلمون يذكرون الخلافة بعد علي -رضي الله عنه- الخليفة الخامس: عبد الله بن الزبير.
القصد بأن هذه الدراسة التي تعيننا؛ لأننا لا نريد أن نبرّر الطغيان، لا نريد أن نبرّر الخطأ في عزل الأمة عن مصادر التأثير وأنها صاحبة القرار.
من هم قادة الأمة؟ قادة الأمة هم العلماء، لو سقط النظام الحاكم وبقيت الأمة قائمة من خلال قادتها الحقيقيين وهم العلماء، هل تُنشئ الأمة وتُعيد نفسها بقوة أم لا؟ حصل أم لم يحصل هذا؟ كم من مرة سقطت بلادنا تحت مستعمر، ثم بسبب وجود مفهوم الأمة: علماء، وقادة صغار، ومشايخ عشائر. اقرأوا الحروب الصليبية قراءة صحيحة. قادة قبائل، قلاع موجودة، مدن، عشائر. من هم السلاجقة؟ السلاجقة مجرد عشائر، لكن فيهم النخوة والشجاعة وآمنوا بالإسلام، وهم الذين حاربوا الصليبيين سنين طويلة.
لما نقول الأيوبيون؟ هو واحد، كانوا مجرد قادة عند آل زنكي، ثم صار واحد منهم بطلًا عظيمًا، وأبناؤه حدث فيهم انحراف؛ فالذي قام بالحروب الصليبية هم مشيخات لكن تحت مفهوم بقاء الأمة ثابتة.
لكن لما سقطت دولة الخلافة وجاء الصليبيون الجُدد أي المستعمرون الجُدد، وذهبت الخلافة، ذهبت الصورة الجامعة لهم، أين ذهبت الأمة؟ كانت قد ذهبت من زمن وبادت؛ فسهُل بعد ذلك السيطرة عليها.
فإعادة مفهوم الأمة لتتحمل النتائج هذه مهمة وضرورة. والدعوة الآن أن الأمة لا قيمة لها، هؤلاء من أكذب خلق الله، هؤلاء يريدوا أن يُصادروا مصادر القوة في الأمة.