أخبرني أحد الإخوة قال كنا نذهب لروسيا، كان يذهب لدراسة الكمبيوتر، فقال كنا نهرِّب المصحف بأن نضع عليه صورة مجلّة (الموعد) ، هذه مجلة لبنانية قديمة يعرفها الممثلون والمغنون، فيُحضر الغلاف ويمزّق غلاف المصحف ويضع عليه غلاف مجلّة"الموعد"حتى يُدخله من داخل المطار إلى داخل الاتحاد السوفيتي!.
يوغسلافيا كانت كذلك، سراييفو كانت هي موطن الألعاب الشتوية، هذا المجتمع المسلم اسمًا وتاريخًا واقعًا انحلَّ من الإسلام وبقي اسمه أنه مسلم، فجأة وإذ به تحوّل من هذه الحالة، لما جاء الجهاد وقاتلوا الصِّرب وإذا الناس في لحظات وإذا"المسلمون"الشيوعيُّون هؤلاء صاروا مجاهدين، صاروا مصلِّين، وصاروا عبَّادًا، إلى آخره. فأين فترة التربية هذه؟!
ولذلك لما راح الأستاذ محمد قطب وزار ساراييفو والبوسنة صُدم، وكتب، وفي كلامه إشارة واضحة أن قضية التربية هذه تحتاج إلى إعادة نظر.
عندنا الآن بفضل الله -عزَّ وجلَّ- صحيح أنها لم تحقق النهاية الكلية في الجهاد في البوسنة لكن في النهاية صارت هناك مدارس القرآن، وعرفوا الحجاب، وعرفوا الصلاة، وعرفوا الحج، وانتشر الدين. كيف تحوّل هذا؟
هذه صورة من صور أننا نريد أن نجعل الأمة كما نريد؛ فإذا رأينا شيئًا مختلَّا اعتبرناه خارج إطار السنة!، والدليل ما ضربناه لكم: لما رأى المحاضرة الممتلئة، والناس يُقبلون على الدين، قال هذا خلاف السنة، لا بد في المسألة من غلط. وفي الحقيقة الغلط هو أنك افترضت أنه يجب أن نمشي في هذا الطريق ونُحضر نخبة. لا؛ إذا أقبلت الأمة أنت تقبل معها، وإذا أدبرت الأمة أنت تُكيِّف نفسك مع هذا الإدبار ولا تُصدم.
التغيير الاجتماعي فعل إنساني، لا يوجد أحد في الوجود قادر أن يتنبأ في الفعل التغييري المختص بالإنسان أو يتوقع ماذا سيكون غدًا!
كبار صنَّاع الثورات في العالم قبل انتصارها بلحظات لم يكونوا يعتقدون أنها ستنتصر. لينين قبل ستة شهور من انتصار ثورة البلشفيَّة سنة 1917 كان يمشي في قطار في ألمانيا، فسأله صحفي فقال: إذا أحفادنا عاشوا الثورة البلشفية فنحن سعداء!.
على طريقة عبد الله بن حنظلة الغسيل ذهب وحفر الخندق، قال كيف انتصر النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ انتصر بحفر الخندق حول المدينة، إذًا نحفر خندق أيضًا، من أجل أن يصدّ جيش يزيد مسلم بن عقبة، والخندق ما نفع. هذه طريقة فرض الرُّؤى على الواقع بطريقة غيبية أو بطريقة تاريخية، وهذا خطأ! الواقع هو الذي يفرض عليك أن تتعامل معه، لا أن تفرض رؤاك على الواقع.