وهناك نقطة من أجل ما قرأت في هذا الكتاب قديمًا وكنت أظنّ أنّها خاصة به، وقبل كم يوم أحضر لي الأخ جزءً من رسالة للشيخ عبد الرحمن المعلّمي صاحب كتاب (التنكيل) ، والظاهر أنّه كتبها في صغره؛ لأنّه يستخدم عبارات الصوفية، بالرغم أن المعلّق على الكتاب ولا أعرف من قصد عندما قال: وهذا قولٌ وجدته بعد ذلك في كتاب الشيخ الأكبر. من المقصود بالشيخ الأكبر؟ ابن عربي. فكان المعلّمي من مراجعه المعظّمين له الشيخ الأكبر. وهنا لما قرأتها اعتبرتها مصالحة. يعني عليّ شريعتي يرفض قضيّة الصراع السنّي الشيعي ويقول كلاهما شيء واحد، الديمقراطية وكذا شيء واحد، وإنما يأتي إلى مسألة قدرية وجدت المعلّمي يقولها. وهذا عجيب، وللذكر هو فقط أحضر لي مجلّدًا واحدًا هذا الأخ؛ لأنّه ضنين بمجموعة المعلّمي الرائعة.
عليّ شريعتي كرجل عالم اجتماع واعي على قضيّة جغرافية الكلمة وتاريخيتها. وهذا مهمّ جدًّا، أيّ كلمة يجب أن تُقرأ من خلال جغرافيتها ومن خلال تاريخيتها. فيقول مرّات التاريخية مفسدة للفكرة ذاتها، ويأتي إلى قضيّة الصراع بين عليّ -رضي الله تعالى عنه- ومعاوية -رضي الله تعالى عنه-، يقول: لو أنّ المثقّف -هو يخاطب طبعًا جمهورًا شيعيًا، وعلى فكرة الّذين عندهم حساسية أنّ علي شريعتي يريد أن يخترق السنة يريّحوا حالهم! هو يريد أن يخترق جدار رجال الدين الفاسدين في بلده، ما عنده مشكلة مع السنّة! لأنّنا عندنا مشكلة أيّ قضيّة نربطها فينا! حتّى لما يضعون لحم خنزير في بعض المأكولات يقول لك حتى لا يقبل الله دعائنا! ألم تجد بعض المشايخ يقولون هم يضعون لنا دهن الخنزير في بعض الأطعمة لأنّهم يعلمون أنّنا إذا أكلنا الحرام لا يُقبل الدعاء! يعني هذا دليل على وهم الشيخ، وصورة أنّنا قطب العالم في تفكير الخصم لنا. هذا ليس إغفالًا لما يُسمى بنظرية المؤامرة؛ لأنّ جزءًا من المؤامرة الاستهزاء بنظريّة المؤامرة كما قلتها لكم سابقًا.
ما هي الفكرة؟ نحن الآن أخذنا شطرها الأوّل، أنّ أيّ فكرة وأيّ كلمة يجب أن تُدرس بجغرافيتها وتاريخيتها. يقول وهذا لا ينبغي أن يكون دائمًا بل علينا أن نحرس من ذلك؛ فإن بعض الأفكار لو قُرأت تاريخيتها فيها إفساد. ويضرب مثالًا بقضية الصراع بين عليّ ومعاوية؛ فلو أنّ رجلًا قارئًا مثقّفًا دارسًا قال إنّ فكرة خصوم عليّ هي أسلم، لماذا؟ قال: لأنّهم أرادوا أن يكون الملك (الخلافة) لغير بيت النبوّة من أجل إبعاد شبح الظنّ أنّ النبوّة ملك. هذه يقول الشيخ المعلّمي أنّ الله هداني إليها.