يعني لمّا ذكر جورج طرابيشي لقضيّتين: مذبحة التراث عند الأكاديميين الّذين هم أصحاب المذهب العلمي الإبستمولوجي المعرفي تبع محمد عابد الجابري. هذا على ماذا يؤثر؟ لا تأثير له، أكاديمي فقط، ليس له تأثير شعبي، ولو خرج للنّاس لا يفهمونه ويضربونه بالحجارة. كذلك زكي نجيب محمود وهو يفسّر الدين تفسيرًا ماديًّا، وليس هو فقط الّذي قام به واعترف، وكلّهم يعترفون أنّهم لم يقرؤوا الدين قراءة كاملة كلّهم. وهذه سآتي إليها؛ لأنّها تمثل نماذج المثقفين الّذين قادوا هذه الأمّة ولم يقرؤوا تاريخنا.
هؤلاء لا خطر منهم. لماذا؟ لأنّ خطابهم أكاديمي. تكون في الجامعة يحكي لك، يؤلف كتابا ما ينتشر منه إلّا 200 نسخة والباقي يعطيهم هدايا. لكن أين الخطورة؟ الخطورة إذا نزل هذا الفكر إلى الأرض. يعني قسطنطين زريق معروف أنّه من أكبر منظّري الفكر القومي. أين كان يدرس؟ كان يدرس في الجامعة الأمريكية في بيروت. هذا المفكّر قومي، وكان مدرّسًا لكن أنتج من؟ أنتج تلاميذ حملوا هذا الفكر إلى الواقع. مثل جورج حبش هو تلميذ له، أحمد الخطيب تلميذ له. طه حسين لو بقي في الجامعة لا قيمة له، لكن أين خطورته؟ أن يحمل هذا الفكر تلاميذ يمشون به.
هذا جانب من جوانب الخطورة. والجانب الأعظم من جوانب الخطورة قلنا إنّ انحراف الفقيه الدقيق والقريب في بدايته ينتج زندقة في نهاية الأمر.
المشكلة لمّا يأتي هؤلاء فيطرحون أفكارهم الدقيقة فتنطلي على المشايخ فيحملونها دون أن يشعروا أنّها فيروس للقضاء على الدين.
ولذلك تعجبون حين أقول لكم لو قيل لواحد من أفراد حزب النهضة التونسي، لو قلتم له اقرأ لسيّد قطب ينتفض غضبًا ويرد عليك بأقذع وأشدّ أنواع الردّ. يكرهون الخطاب الديني كرهًا عجيبًا. أنا أتكلّم عن البناء العلمي والنفسي لمثل هؤلاء. لكن لو قلت له ماذا تقرأ؟ يقول أقرأ محمد عابد الجابري. أين خطورته؟ في الجامعة؟ في تلاميذ يحملونه. أين خطورتهم؟ عندما تنطلي دقائق كلامهم على الأحزاب الإسلامية.
ولذلك تجد أنّ زمزمتهم وهمهمتهم وجمجمتهم هذه الأحزاب الّتي تكره الخطاب السلفي يعني المتدين، خطاب الدين، البناء الديني للإنسان، تجدونهم يفرّون إلى هذه الكتب؛ لأنّها تنتج لديهم معرفة هي أشبه بالعلمانية متسترة بالإسلام.
هذا واقع.