وكذلك ابن عبد الهادي تلميذه وإن كان مات شابا -عليه رحمة الله-، صاحب كتاب (المحرّر) وكتاب (طبقات الحنابلة) فهؤلاء عظام، والإمام البرزالي الذي يقال أعلم الناس بعلل الحديث، حتى يقال أعلم الناس بالمتون ابن تيمية، وأعلم الناس بنقدها ابن عبد الهادي، وأعلم الناس بعللها البرزالي.
حتّى أنّ الخصوم عظام مثلا السبكي، ولا تحتقروا هؤلاء العلماء وهو مدحهم بالحق، لما أخذ محمد ابن ناصر القلاوون ابن تيمية بعد فتنته عندما رجع من الكرك على الشرفة وحدثه فعلم شيخنا ما يريد، هو لم يرد قتلهم لأنهم أرادوا ابن تيمية بالشر، ولكن لأنهم ناصروا بيبرس الجانشكيري، فأراه الفتاوى في قتله، وقال له أريد منك الفتوى بقتل بعضهم، فقال له: هؤلاء خير أهل الأرض، هؤلاء علماء الإسلام، ودافع عنهم، ولذلك قال القاضي العظيم ابن مخلوف المالكي وهو من خصومه قال:"رحم الله ابن تيمية قدرنا عليه فأردنا سفك دمه، وقدر علينا فخلَّصنا".
هنا نقطة مهمّة جدًا، ابن تيمية جمهرة ويقال عنه موسوعيّ، وعلّمنا الشيخ محمود شاكر أن نستبدل هذا اللفظ بجمهرة وهو اللفظ المناسب لما قاله السلف عن مثل هذه الصور والتصورات.
ابن تيمية فقيه وإذا تكلّم في الفقه وأصوله أبدع، وإذا تكلّم في اللغة فله اختيارات جميلة، وتعرفون خصومته مع ابن حيان الأندلسي في قضيّة الكلام عن الكتاب لسيبويه، وعماد معرفة ابن تيمية في قضيتين: قضيّة التفسير التي اشتهر بها، والثانية الكلام في أصول الدين.
وكان أغلب كلامه لو وعظ أو درَّس، وكان يجلس في مسجد دمشق بعد الخطبة، وقيل أنه فسّر القرآن خمس مرّات في مسجد دمشق، لكنّه لم يكتب في التفسير إلّا من خلال الموضوع الّذي يكتب فيه ولم يعرف أنّه صار يفسّر كتابة، وسُئل لماذا لمّا دخل السجن -أظنّه البرزالي سأله- أن يكتب كتابًا في التفسير على الطريقة المعروفة كل آية على حدى وهكذا، فقال أنّ الأمر لا يحتاج، وأنّ هناك من الحاجة في التفسير هو بيان آيات أشكلت على كثير من أهل العلم، وكتابه الذي انتشر مؤخرًا (تفسير آيات أشكلت على كثير من أهل العلم) من أواخر ما كتب؛ لأنّها تجيب على ما أراد، ومن قرأها علم ماذا يريد في هذا الباب، إلّا أنّه لم يكتب.