التفسير هذا فنّه الذي يجري فيه مجرى عظيما ويسبق فيه عن كل علومه كالحديث والفقه، ولكنّه لم يكتب فيه بالطرق المعهودة، يبقى كلامه في أصول الدين، سُئل عن الكلام في الأصول -وهذا المدخل لكتابه النّبوات- لماذا أكثرت فيه، فيقول:"لأنّي وجدت أنّ الذين تكلموا في أصول الدين من المتكلمين ومن غيرهم إنّما أرادوا به إفساد الشريعة، ووجدت أنّه إذا صلح أمر أصول الدين عند الرجل صلح دينه، وإذا فسد أمر أصول الدين عنده فيما يتكلّم فيه من مسائل فسد دينه"، وقال:"ووجدت عاقبة ما يؤول كلامهم إليه في أصول الدين إنّما هو الزندقة والخروج من الشريعة".
إذا ابن تيمية تستطيع أن تقول بأنّ اعتناءه في كتبه الكبرى كان ينصب على مسائل أصول الدين، وهي ما تتعلق بالاعتقاد، الإلهيات، والنبوات، والسمعيات، هذه الّتي يدور حولها كلامه وأغلبها لا يجري في قضيّة الإثبات فقط، يعني لا يتحدّث عن إثبات المسائل العلمية ولكنّه يحاجج الخصوم فيها وخاصّة المتكلّمين؛ لأنّه يعتبر أنّ المتكلّمين العظام في تاريخنا ممّن تضلعوا في علم الكلام وتكلّموا في أصول الدين، كان أمرهم وسط بينهم وبين الزندقة، هم خيار يعني عندما نتكلّم عن عظام، نحن نتكلّم عن الباقلاني وقبلهم الأشعري وابن كلاب وعن الكرّامية، فمن دونه من تلميذه معالي الجويني والغزالي ومن خرج معهم من الحنابلة إنّما هم دون أن يشعروا ومع همّتهم لنصرة الدين إلّا أنّ كلامهم كان قنطرة لمن يريد أن يتزندق؛ لفجوات فيما اختاروه في مسائل الكلام.
لذلك لا تراه ينشط كثيرًا في الردّ على ابن سينا مع أنّه يقول أنّه أمثل الفلاسفة، ولا ينشط للردّ على الفارابي، لا ينشط للردّ على الزنادقة الكبار الذين خرجوا من الشريعة والدين كابن العلقمي وابن الراوندي، وإنّما ينشط لهذه القنطرة، وخلاصة كلامه يقول بأنّ هؤلاء إذا تكلّموا مع اليهود والنصارى والزنادقة جلبوهم للحقّ الّذي هم فيه، وإذا تحدّثوا مع أهل الإسلام جلبوهم للباطل الّذي هم فيه، فهؤلاء الأئمة الّذين نصروا الدين بعلم الكلام-وسأقف على هذه وما هو موطن كتاب النبوات في الباب- كانوا وسط بين أهل الإسلام الّذين هم على حقّ السنة والدليل وبين الزنادقة. فئأنهم هؤلاء هو ينصفهم ولا يرميهم كما يرميهم البعض ويقول هؤلاء ليس لهم قيمة، هؤلاء كان لهم دور كبير إذا تكلّموا مع هؤلاء الزنادقة جلبوهم إلى الإسلام إلى الحقّ الّذي هو عندهم عن النبوّة والرسالة إلى آخره مع البدعة الّتي فيهم، ولكن إذا تكلّموا مع أهل الحقّ جلبوهم إلى الباطل الّذي هم فيه.