هذه القنطرة قنطرة شائكة ويحتاج الكلام عنها إلى عدل وإنصاف، هؤلاء عظماء وكبار الأمّة وهم الّذين في وقت من الأوقات وصل الإمام الدارقطني -وهو محدّث وليس له خبرة في الرد على أعداء الإسلام من الزنادقة- كان إذا مرّ بالإمام الباقلاني يقبل يده لنصرته الدين والسنة. إذ لم يكن في ذلك الوقت من يقوم مقام الحقّ والسنّة في الطريقة الّتي أرادها ابن تيمية في قضيّة التعامل مع الزنادقة من خلال أسلوبهم وعلومهم ومنطقهم. فكان الذي يستخدم أسلوبهم وعلومهم ومنطقهم كان فيه نوع بدعة، ومع ذلك بالحقّ الّذي عنده يلزم هؤلاء الزنادقة
وهذه مرتبه أقام ابن تيمية نفسه لها، وكتبه الكبيرة تقوم على هذا الباب، إنّما هي من أجل أصول الدين في بيان هذه القنطرة وما فيها من اختلال من أجل إرجاعهم إلى السنة الصافية التي أرادها واستوعبها.
وابن تيمية لم يدخل المعركة مستوفيا وإنما يعترف أنّ مداركه كانت تنمو في المعركة، وقال عندما دخلتها كنت أظن أن مباحث المنطقيين صحيحة والعلوم صحيحة ولكن الأسلوب غير صحيح، لكن اكتشفت بعد ذلك أن المباحث لم تكن صحيحة، فإذن وهو يحارب كانت تنمو لديه المعارف ويدرك المزالق ويراجع نفسه حتى استوفى هذا الجانب واستوى سوقه ولذلك في آخر عمره لم يكن له شأن سوى هذا، وكتبه تتعلّق بهذا الجانب -وهو جانب خطير- مثل: (بغية المرتاد) (التسعينية) هذا الكتاب الّذي بين يدينا (درء تعارض العقل والنقل) هذه الكتب الكبيرة جدّا والخطيرة تتعلّق بهذا الباب ولا ينتفع بها إلا من كان محيطا بمسائل المتكلمين.
لنأت لكتاب النبوات كخاتمه، الزندقة نشأت في بلادنا من خلال الرافضة، ومبحث الزندقة أي: الكفر بالكتاب والسنة وتحقريهما وعدم الاهتمام بهما كمرجع والاعتقاد بأنهما حق منشؤها الرافضة، والزندقة في وقت من الأوقات غلبت في أمّة الإسلام، وحكمت سياسيا وعسكريا، فالعبيديون حكموا المغرب وحكموا مصر والشام والحجاز واليمن ودخلت قواتهم -البساسيري- دمشق، لولا أن جاء ألب أرسلان وطرده وأرجع الخليفة وما بقي بلد من المسلمين إلّا وهم فيه إلّا ما يذكر عن دمشق، وهذا ابن كثير يعترف به، والحشاشون وانتشارهم المخيف وكذلك مشايخهم وجلوسهم.