ومن قرأ مجالس الرافضة في مصر وهناك كتب كثيرة اسمها المجالس وهي منتشرة عندنا ومطبوعة، كانت مجالس للعبيديين ويجبرون كبار العلماء على الجلوس فيها، ومن قرأ تاريخ أمّة الإسلام في هذه المرحلة يبكى عليها، وكثير من أمّة الإسلام قدموا أنفسهم فداءً كالنابلسي الذي عرف أنه قال له الحاكم الفاطمي: سمعت أنك قلت: لو كان عندي عشرة أسهم لرميت فينا تسعًا وواحدًا في الروم، فقال: لا ما قلت هكذا، بل قلت لو كان عندي عشرة أسهم لرميت تسعًا فيكم والعاشر فيكم كذلك"، فقتلوه وسلخوه وحشوا بطنه تبنا والقصّة موجودة في كتاب (سير أعلام النبلاء) ."
والقصد أنّ هؤلاء الزنادقة نشروا هذا الدين، وكان عمدة كفرهم الطعن في القرآن، ومن هنا نشأ في أمّتنا الدفاع عن القرآن باعتباره معجزة، وذهب بعض العلماء إلى قضيّة إظهار إعجاز القرآن البياني، وبدأوا يألفون المؤلفات العظيمة في بيان إعجاز القرءان؛ لأنّ جزءًا من الهجمة الّتي تعلقت بالقرآن تعلقت بالبيان، وقام العلماء خير قيام، حتّى الإمام الباقلاني -عليه رحمة الله- مع كتابه (دلائل النبوة) العظيم، له كتاب اسمه (إعجاز القرآن) وكلامه فيه كلام عظيم، وممّا بحثه في قضية إعجاز القرآن إثبات النبوّة فكان الكلام عن المعجزة النبوية، وهنا وقع ما تكلّم عنه ابن تيمية وهو المعجزة النبوية الكونية ما صفتها؟ ولا بدّ من تحرير القول فيها.
هناك من اشتغل اشتغالًا عظيمًا في بيان إعجاز القرآن، باعتبار أنّ القرآن هو الدليل الأقوى لصدق نبوة النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، ما هو أعظم دليل في صدق نبوّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟ القرءان، أما الإعجاز البياني للقرآن فقد انشغل به علماء كبار من أعظمهم الإمام الباقلاني ومن بعده الجرجاني، وكلامه في إعجاز القرآن كلام رائق وعظيم ويحتاج كلام الباقلاني في الموضوع إلى درس لوحده، لكن ممّا ذكره وبحث فيه أهل الإسلام المعجزة الكونية للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- فالنبي أُسري به، عرج به إلى السماء، وخرج الماء من بين أصابعه، وانشق له القمر، وبورك في الطعام حتّى كفى الجيش من الناس.
هذه المعجزة وجب تحريرها ومن هنا وقع المتكلّمون في مطبّ ما زال اليوم يدرّسون الخطأ الّذي نبّه عليه ابن تيمية، والحقيقة لا أستطيع أن أقول أنّي مستوعب لكلّ من تكلّم في المعجزة ومراتبها: المعجزة- الكرامة- الاستدراج- الإهانة، فالخارق للعادة إذا وقع لنبيّ فهي معجزة، وإذا وقع لوليّ فهو كرامة، وإذا وقع لكافر فهو استدراج، وإذا وقع ضدّ كافر فهو إهانة.