وكتاب ناصر الدين الأسد كتاب نموذجي في قضيّتين: القضيّة الأولى في طبيعة واقع القراءة المستقصية من القراءة النتش، هذه القراءة لا تنفع. من قرأ كتاب الأستاذ ناصر الأسد مصادر الشعر الجاهلي، رأى نموذجًا للقراءة المستقصية المستوعبة للموضوع. لا يبحث فقط عن الفهرست ليرجع إلى الموضوع، ولكن يقرأ الكتاب كلّه ليجد مراده مبثوثًا مغروزًا أو خفيًا في ثنايا الكتاب. وهو أفضل كتاب -مصادر الشعر الجاهلي- مع أنّه تأخر، لأنّ الذين ردّوا على طه حسين كثر بعد أن أصدر كتابه الشعر الجاهلي، مصادر الشعر الجاهلي تأخر كثيرًا، لكنّه أفضل كتاب في الردّ على طه حسين.
طبعًا الشيخ شاكر نشأ عنده عصبية كعادة الكثير من المشايخ والأساتذة الكبار. والعصبية شيء لا بدّ منه لمن يعرف الحقّ ويرى جهالة الجهالين أمامه. هو أصيب بالكآبة حتّى إنّه حاول الانتحار. في بداية عمره لمّا حدّث عن نفسه في هذا الكتاب وهو في السابعة عشرة من عمره أصابته الكآبة الشديدة وكفرانه بواقع الأدب المصري وسيطرة الفاسدين عليه فحاول الانتحار، وأرسل بعد أن فشلت المحاولة رسالة إلى أستاذه العظيم مصطفى صادق الرافعي. والرافعي تكلّم عن الانتحار ونفسية المنتحر وكيف يعالجها بالإيمان بالله في مقالات مبثوثة في وحي القلم. هناك أربع رسائل أو خمس تحت عنوان الانتحار المقصود بها من؟ الشاب الصغير ذو السبعة عشر عامًا وهو الأستاذ شاكر.
ووالده كان قاضيًا أُرسل إلى السودان، وولد بعضهم في السودان ودرسوا في كلية جوردن الّتي أنشأتها الحكومة البريطانية لأبناء وضبّاط البعثة البريطانية الحاكمة للسودان.
فهذا هو أمر هذا الشيخ، أُصيب بباب من أبواب الكذب في عالمه وهي قضيّة الشعر الجاهلي الّتي بسطها كما رأيتم في الرسالة. أنتم قرأتم الرسالة ورأيتم كيف تحدّث عن الكذب الّذي مارسه طه حسين، وسُمّي كذبًا بعميد الأدب العربي. وهو كان عميد كلية الأدب!
وهنا أنبّه إلى مسألة وهي أنّ العلمانيين وأهل البدع يعظمّون أساتذتهم ويرفعونهم مع جهالتهم، وأهل السنّة هم أئمة في قتل قاماتهم ورجالهم. هذا الفنّ نحن نتقنه! وغيرنا من أعدائنا يخالفوننا الطريق ويعظمّون رجالهم وينشرونهم. عميد الأدب العربي هو طه حسين!
وكشف الأستاذ ناصر الدين الأسد مرّة -لأنّه كان يدرس في الجامعة وكان عميد الكلية طه حسين-، يقول كنت أسمع -لأنّ طه حسين كان له صالون في بيته-، يقول: كان من أكثر الناس سبًّا للعرب ولأدبهم. هذه كلمة هو مأمون عليها ناصر