يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: والذي لا إله غيره ما أنزلت آية من كتاب الله إلا أعلم فيمن نزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه.
هذه أحوال سلفنا في طلب العلم تشعر وكأنك تتحدث عن جبال وعمالقة في عالم العلم والعلماء فهذا ابن عباس رضي الله عنه حبر الأمة وترجمان القرآن يقول: إن كنت لأسال عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي.
أما كبير وإمام التابعين سعيد بن المسيب فيقول: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد .. والواحد منا لا يستطيع أن يجلس بضعة دقائق في الأجواء المكيفة لسماع آية أو حديث أو موعظة وبعضنا إذا سمع درسا أو خطبة أو موعظة ظن أنه حاز العلم كله ويكفيه ما سمعه من الشيخ مع أن الحق والصحيح أن كثرة مصاحبة العلماء وتنوعهم يزيد من علم الطالب.
هذا عبد الله بن المبارك يقول: حملت عن أربعة آلاف شيخ فرويت عن ألف منهم.
أما سفيان الثوري فعدد مشايخه ستمائة شيخ وحمل عنه العلم عشرات الآلاف، أما البخاري رحمه الله فيقول: كتبت عن ألف شيخ وأكثر من كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي من حديث إلا أذكر إسناده.
أما الإمام بقي بن مخلد الأندلسي فقد قام برحلتين إلى مصر والشام والحجاز وبغداد طالبا للعلم .. امتدت الرحلة الأولى أربعة عشر عاما والثانية عشرين عاما.
أما الإمام مالك رضي الله عنه فقد حمل العلم عن تسعمائة شيخ .. وهكذا يسمع الطالب من مئات العلماء، فلو أخذ من كل واحد بضعة فوائد لاجتمعت فيه عشرات آلاف الفوائد والعلوم المختلفة.
أما أحوالنا فمليئة بالخمول والكسل فما إن يسمع احدنا درسا أو درسين حتى يمل من الشيخ ويتركه فإن بحث عن غيره فخير عظيم وإن ترك العلم وطلبه فهذه والله مصيبة .. كيف يتهاون الطالب في طلب العلم ومتابعة العلماء، كل عالم لديه من العلوم ما يختلف عن غيره كما ونوعا، فطف عليهم وخذ منهم كل خير يحملونه .. واحرص على اللطائف التي يعطيها المشايخ لطلابهم ففيها من الفوائد ما لا يعد ولا يحصى خاصة فيما يتعلق بلطائف الدعوة والتدريس والخطابة والأساليب الدعوية وكيفية التعامل مع المدعوين.