وتحرك في نفسه الغيظ من المجنون الآخر فرمى بعينه الفضاء ينظر اللاشئ وقال: إذا أصبح كلُّ النساء ذوات لحى أصبح هذا عاقلًا. . . فدقَّ الآخر برجله دقاتٍ معدودة؛ فثار (النابغة) وقال: من هذا يشتمني؟
قال س. ع؟ لم يشتمك أحد، هذا خفقُ رِجلٍ على الأرض.
قال: بل شتمني هذا الخبيث وسمعي لا يكذُبني أبدًا، وأنا رجل ظنونٌ أسيء الظن بكل أحد، وعلامة الحازم العاقل سوء ظنه بالناس. فهبه كما قلت قد خفق بنعله أو خبط برجله فهو يعلم ما يعني من ذلك وأنا أسمع ما يعنيه. لقد طفح الشعر على قلبي فلا بد لي من هجائه، ولا بد أن أذبحه ولو بالكلام، فإني إذا هجوته رأيت دمه في كلماتي، وأريد أن أجعله كالعنز التي كانت عندنا وذبحناها.
ثم انتزع قلم س. ع. وقال: هذه هي السكين. ولكن أسألك يا أستاذي أن تذبحه أنت بكلمتين وتصف له جنونه فقد عزَب عني الشعر. إن خفْقَة رجلٍ على الأرض تستطير الأرانب فزعًا فينفرن إلى أحجارهن ويتهاربن، وما كانت أبيات الشعر في ذهني إلا أرانب. . .
أنتم لا تعرفون أن من كان حصيفًا ثبيتًا مثلي كان دقيق الحس، ومن كان فدمًا غبيًا مثل هذا كان بليد الحس غليظًا كثيفًا. فإذا أنا استشعرت البرد رأيتني قد سافرت إلى القطب الشمالي؛ أما هذا المجنون فهو إذا استشعر بردًا سافر إلى عباءته أو لحافه. . . .
إذ هو لا يعرف جغرافيًا ولا يدري ما طحاها.
قلت: هذا منك أظرف من نادرة أبي الحارث. قال: وما نادرةُ أبي الحارث؟ وهل هو نابغة؟
قلت: جلس يتغذى مع الرشيد وعيسى بن جعفر، فأتى بخوان عليه ثلاثة أرغفة، فأكل أبو الحارث رغيفه قبلها، والرشيد ملك عظيم لا يأكل أكل الجائع وإنما هو التشعيث من هنا وهناك. فكان رغيفه لا يزال باقيًا. فصاح أبو الحارث فجأة: يا غلام، فَرَسي. ففزع الرشيد وقال: ويلك ما لك؟ قال: أريد أن أركب إلى هذا الرغيف الذي بين يديك. .
قال (النابغة) : ولكن فرقًا بين أبي الحارث وبين (نابغة القرن العشرين) ، فإن من العجائب أني ربما نظرت إلى الرجل وهو يأكل فأجد الشبع حتى كأنه يأكل ببطني لا ببطنه. ولكن من العجائب أن هذا لا يتفق لي أبدًا حين أكون جائعًا.