أما هذا المجنون الذي أمامنا فربما أبصر الحمار على ظهره الحمل فيشعر كأن الحمل على ظهره هو لا على ظهرالحمار. .
قال الآخر: (مما حفظناه) أنه سرق لأعرابي حمار، فقيل أسُرِق حمارك؟ قال نعم وأحمد الله. فقيل له على ماذا تحمده؟ قال على أني لم أكن عليه حين سرق. . فأنا إذا رأيت حمارًا مثقَلَ الظهر حمدت الله على أن الحمل لم يكن علىّ، لا كما يقول هذا. ثم دقّ برجله دقات. .
فاستشاط (النابغة) وقال: أسمعتم كيف يقول إني مجنون، ثم لا يكتفي بهذا بل يقول إني حمار على ظهره الحمل؟
قلت: ينبغي أن تتكافأ وهذا لا يعيبك منه ولا يعيبه منك، فإن من تواضع النوابغ أن يشعروا ببؤس الحيوان، فإذا شعروا ببؤسه دخلتهم الرقة له، فإذا دخلتهم الرقةُ صار خيالُ الحمل حملًا على قلوبهم الرقيقة؛ وقد يصنعون أكثر من ذلك. حكى الجاحظ عن ثمامة قال: كان (نابغة) يأتي ساقيةً لنا سحرًا فلا يزال يمشي مع دابتها ذاهبًا وراجعًا في شدة الحر أيام الحر، وفي البرد أيام البرد، فإذا أمسى توضأ وقال: اللهم اجعل لنا من هذا الهم فرجًا ومخرجًا؛ فكان كذلك إلى أن مات.
قال المجنون الآخر: (مما حفظناه) ثمرةُ الدنيا السرور ولا سرور للعقلاء، فلو لم يكن هذا أعقل العقلاء لما مُحق سروره في الدنيا هذا المحق إلى أن مات غمًا رحمه الله.
قال س. ع. فاعف الآن عن صاحبك ولا تذبحه بالهجاء.
قال: لقد ذكرتني من نسيان، وهذا المجنون يرى نسياني من مرض عقلي، وكان الوجه لو تهَدَّى إلى الحقيقة أن يراه شذوذًا في العقل أي نبوغًا عظيمًا كنبوغ ذلك الفيلسوف الذي أراد أن يعرف في كم من الزمن تسلق البيضة؛ فأخذ بيده الساعة وبيده الأخرى بيضة ثم نسي نسيان النبوغ فألقى الساعة في الماء على النار، وثبتت عينه على البيضة ينظر فيها على أنها هي الساعة. ولو قد رآه هذا الأبله لزعمه مجنونًا كما يزعمني، فإن المجانين يرون العقلاء مرضى بمواهبهم وأعمالهم التي يعملونها.
وأنا فليس يهيجني شيء ما تهيجني كلمات ثلاث: أن يقال لي مجنون، أو أبله، أو أحمق. فمن رغب في صحبتي فليتجنب هذه الثلاث كما يتجنب الكفر والكفر والكفر. . .