أومن بأن النوع الواحد من الجراثيم يسبب نوعًا واحدا من الأدواء، وأن كل داء له جرثومته الخاصة) آمن بذلك قبل أن يُثبته، فكأنما أُوحي إليه. قال: (. . . . . فلا بد لي أن أجد طريقة أكيدة يسيرة أُكّثر بها الجنس الواحد من المكروب دون أن تختلط به الأجناس الأخرى التي هي دائمًا حوله تحاول الدخول إليهخلسة واستراقا)
ولكن كيف السبيل إلى اقتناص جرثومة واحدة بادئ ذي بدء؟ اخترع المخترعون عدة مكنات غريبة لفصل المكروبات، ونصب آخرون منهم أجهزة مركبة معقدة، طويلة لا شك أنهم من طولها وتعقد تركيبها نسوا بعد أن أتموا الغرض الذي من أجله نصبوها. وقام بحاث غير هؤلاء، لا يبالون الموت، فحقنوا المكروب الذي حقنوا في جو سام قتال من الكيميائيات المطهرات ليقتلوا جراثيم الهواء التي تسبح فيه على ضلال كي لا تقع في المكروب الذي يحقنون
وذات يوم نظر كوخ إلى فِلْقة من البطاطس المسلوق تُرِكت عفوا في معمله، نظر إليه اتفاقًا وأقر هو بذلك؛ نظرها فوجدها قد تبقعت بعدة بقع ذات ألوان، فهمس لنفسه قال: (هذه بقعة شقراء، وهذه بقعة حمراء، وهذه ثالثة بنفسجية، ورابعة صفراء. لابد أنها تكوّنت جميعًا من جراثيم الهواء) . وأخذ يحدق فيها من قريب لقصر نظره حتى كادت تمتزج بها لحيته الخفيفة، وهّم ينظف عدسات مجهره ويهيئ رقائق الزجاج. وأمسك بعود رقيق من معدن البلاتين فغمسه بخفة في بقعة من البقع الشقراء ورفعه بشيء منها؛ ثم وضع هذا الشيء القليل، ومزاجه كالمخاط، على رقيقة من تلك الرقائق الزجاجية، ودافه بقطرة من الماء، وحدق فيه من خلال المجهر فإذا جماعات البشلات تتهادى في الماء عمومًا، وتشاكلت جميعها فلم يكن بها على كثرتها بشلة واحدة غريبة عن أخواتها. وأخذ من البقعة الصفراء ومن البنفسجية ومن الحمراء، فوجد لمكروب في إحداهما مستديرا، وفي الأخرى عصيا عائمة، وفي الثالثة حلزونيات كالبريمات دبت فيها الحياة؛ وليس في هذا جديد، وإنما الجديد أن المكروبات في البقعة الواحدة متشاكلات لا تختلف واحدة عن أختها
وفي سرعة البرق الخاطف تجلى لكوخ جمال هذه التجربة التي اصطنعتها له الطبيعة: (كل بقعة من هذه البقعات زريعة خالصة من نوع واحد من المكروبات. . . الأمر واضح