لايفصح، وبدنه لا يبين عنه. لكن هذه بنانُه قد أبقى عليها المشركون ولم يمسوها بسوء. مثلوا بجسده ما شاءوا أن يمثلوا بعد أن ملأهم ضربه غيظًا وقتاله حقدًا، وذهلوا عن بنانه.
-رحمك الله يا أنس لقد بررت بعهدك الذي عاهدت، وأدركت الأجر الذي طلبت. أليس فضل الثابتين في أحد كفضل أصحاب بدر؟
قضى أنس ولم يذكر مصرعه القوم، لأن مصارع أذهلت عن مصارع. والرسول لم تندمل كلومه، ولم يبرح مصرع حمزة قلبه.
لم يقتل حمزة وحده ولم يقتل أنس وحده، بل قتل معهما (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) وهؤلاء هم الذين قتلوا في سبيل ما عاهدوا الله عليه.
خمدت وقعة أحد، وكان الرسول كلما مر بأحد أستشعر خشية، والتفت إلى أصحابه كأنما يلتمس في هذا الجبل شيئًا قدسيًا يهبط على نفسه. التفت يقول لهم:
- (إن أحدًا يحبنا ونحبه!)
وكيف لا يحبونه وقد أطافت به أرواح الأعزاء وثوت فيه أجساد الشهداء وكيف لا يهتز الرسول لأحد وفيه قد أدّوا ثمن العقيدة والصدق والإخلاص من دمائهم وقلوبهم.
أما إن لكل أمة (أحدًا) تذكره وتعتز بذكره لأنه رمز ضحاياها الغالية التي عملت لها. وهذه الأمة المشتتة تحت كل كوكب، المعتزة بأيمانها وعقيدتها تقيم في كل زاوية (أحدًا جديدًا) تقدم له كل يوم ضحايا عزيزة من دمائها وقلوبها! حتى غدت مواطنها: (كل موطن أحد) وشهداؤها: (كل شهيد أنس) .
خليل هنداوي