من الحياة
الضحية. . .
للأستاذ كامل محمود حبيب
انحسر الليل عن جبين الفجر، والفتى لا يزال في مجلسه يشهد ليلة تنطوي، وفجرًا يبزغ؛ وكأن الليلة لم تكن في فكره إلاّ ساعة، وكأنه وقد جلس يرقب سير الكواكب في أفلاكها كان ينتظر أن يقرأ فيها تتمة الرسالة التي قرأ أول كلمة منها أول الليل، فوجد فيها ما وجد من لذة ونشوة وسحر. لم ير في صفحة الكواكب السيارة، ولا في العالم الهادئ النائم المطمئن، إلاّ شيئًا كان في خياله هو وفي خواطره. جلس لا ليقرأ حظه في كتاب السماء، ولكن ليؤلف كتابًا من نفسه الطروب المرحة. . . وذهب إلى عمله وهو نشاط يشتعل؛ فهو يجيء ويذهب، ويقرأ ويكتب، ويتكلم فيبين، وكأن شيئًا فيه قد خلقه من جديد ليكون شخصًا غير الذي يعرفه في نفسه، ويكون إنسانًا سوى ذلك الذي عرفه صحابته ورفاقه. ودخل إلى صديق يحدثه، يريد أن يفضي إليه ببعض ما يفوز في نفسه، ولكنه عاد فرأى أن ذلك الشيء الذي بعثه من جديد لم يكن إلاّ في نفسه لنفسه، فهو سره هو، وهو له وحده. . . ثم رجع إلى بيته ليطيل النظر إلى نفسه في المرآة يأمل أن تريه مرآته الشابّ الذي في قلبه، فلم ير إلاّ ما تريه المرآة كل يوم، ولكن هندسة عقله الجديدة قد بدت على هندامه وزيّه فكان جديدًا حتى في هندامه وزيّه. أكلّ ذلك لأنه رآها أمس وجلس إليها وقال لها وقالت له. . .؟
ومضى الفتى على طريقه، وفتاته أمامه تنير له ما اظلم، وتفتح له ما استغلق، وقلبه ماضٍ على أثرها، وهو من وراء الاثنين: قلبه وفتاته، طيّع منقاد
وأبعد في السير، فباعد بين الفتى الجديد والفتى الذي كان، وعاد لا ينظر إلى الوراء إلاّ ليرى ذاك العريش الذي جلسا تحته لأول ما قال لها وقالت له. . . وكأن عمره قد أختُصِر في هذه الأشهر القليلة، ولكنه كان عمرًا طويلًا
وخيّل إلى الفتى حين اجتلى النور من وجه صاحبته، وحين حاطه الشعاع الآسر من