للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
وقال صاحب سرّ (م) باشا: ألقى إليّ الباشا ذات يوم أن (سعدًا) مصَبِّحُنا زائرًا، وكانت بين الرجُلين خاصة وأسباب وطيدة. وللباشا موقع أعرفه من نفس سعد كما أعرف الشعلة في بركانها؛ أما سعد فكان قد انتهى إلى النهاية التي جعلته رجلًا في إحدى يديه السّحر وفي الأخرى المعجزة، فهو من عظماء هذه البلاد كقاموس اللغة من كلمات اللغة يردُّ كلُّ مفردٍ إليه في تعريفه، ولا تصح الكلمة عند أحدٍ إلا إذا كانت فيه الشهادة على صحتها.
وجاءنا سعدُ غُدْوَةً فأسرعتُ إلى تقبيل يده قبلةً لا تشبهها القبلات، إذ مُثلت لي من فرحها كأنها كانت منفية ورجعت إلى وطنها العزيز حين وُضعت على تلك اليد. إن ابن الرجل العظيم إذا كان بارًا بأبيه عارفًا قدره مدركًا عظمته، يشعر حين يقبِّل يده كأنه يسجد بروحه سجدة لله على تلك اليد التي يقبلها، ويجد في نفسه اتصالًا كهربائيا بين قلبه وبين سرّ وجوده، ويَخُصُّه العالم بلمسة كأن قُبلتَه نبضت في الكون؛ وكل هذا قد أحسسته أنا في تقبيلي يد سعد، وزدت عليه شعوري بمثل المعنى الذي يكون في نفس البطل حين يقبل سيفه المنتصر.
وضحك لي سعد باشا ضحكته المعروفة التي يبدأها فمه، وتتممها عيناه، ويشرحها وجهه كلُّه، فتجد جوابها في روحك كأنه في روحك ألقاها.
والرجل من الناس إذا نظر إلى سعد وهو يتبسم، رأى له ابتسامةً كأنها كمال يتواضع، فيُحس كأن شيئًا غير طبيعي يتصل منه بشيء طبيعي، فينتعش ويثب في وجوده الروحي وثبةً عالية تكون فرحًا أو طربًا أو إعجابًا أو خشوعًا أو كلَّها معًا. غير أن الرجل من الحكماء إذا تأمل وجه سعد وهو يضحك ضحكته المطمئنة المتمكنة من معناها المقِر أو المنكِر أو الساخر أو أيِّ المعاني - حسب نفسَه يرى شكلًا من القول لا من الضحك، وظهرت له تلك الابتسامة الفلسفية متكلمة كأنها مرة تقول هذا حقيقي، ومرة تقول هذا غير حقيقي.
إن سعدًا العظيم كان رجلًا ما نظر إليه وطنيٌّ إلا بعين فيها دلائل أحلامها، كأنما هو شخص فكرة لا شخص إنسان؛ فإذا أنت رأيته كان في فكرك قبل أن يكون في نظرك،