السلام المسلح
بقلم باحث دبلوماسي كبير
السلام المسلح هو بلا ريب شعار السياسة الدولية هذا العام فالدول العظمى تتسابق كلها في ميدان التسليح بحماسة لم يسمع بها في التاريخ، ومع ذلك فالدول تؤكد نياتها السلمية، وتدعي جميعًا أنها تقوي أهباتها الدفاعية دفعًا للاعتداء وتقريرًا للسلم؛ وقد كانت إنكلترا إلى ما قبل أشهر قلائل أقل الدول العظمى تأثرا بهذه الحمى في سبيل التسليح، ولكنها اليوم تنزل إلى نفس الميدان ببرنامج للتسليح يفوق بضخامته كل ما عرف حتى اليوم، وترصد لهذا البرنامج اعتمادًا يبلغ ألفًا وخمسمائة مليون من الجنيهات، وهو إسراف لم يسبق أن عرفته الإمبراطورية البريطانية في تاريخها الحافل رغم اهتمامها دائمًا بشؤون التسليح والدفاع، وفي نفس الوقت الذي تتقدم فيه السياسة البريطانية بهذا البرنامج العسكري الهائل تتقدم إلى العالم بنفس التأكيدات السلمية التي لم تنقطع عن ترديدها طيلة الأعوام الأخيرة، وتعلن أنها لا تتسلح إلا دفاعًا عن نفسها وحفظًا لكيانها ومصالحها، وتأييدًا للسلام العالمي الذي كانت قوة بريطانيا العظمى دائمًا عاملا كبيرا في تعزيزيه وتأييده
والسياسة البريطانية لا تخفي أنها كانت مسرفة في حسن الظن بالعهود والمواثيق الدولية، وفي الاعتماد على مبادئ السلم وحسن التفاهم بين الأمم، وأنها كانت مقصرة في مجاراة الأمم الأخرى في التسليح بالدرجة التي يقتضيها مركزها الدولي، ومصالحها الإمبراطورية العظيمة، فهي الآن تجري على نفس سياسة السلم المسلح التي جرت عليها الدول الأخرى، بعد أن أيقنت أن التخلف في هذا المضمار يعتبر خطرًا على هيبتها الدولية وعلى سلامتها وسلامة إمبراطوريتها المترامية الأطراف، وبعد أن لمست عن قرب هذا الخطر جاثمًا يتربص بها ويحاول أن يجد فرصة في نقص أهباتها الدفاعية، وهي تعود اليوم فترى أن الوسيلة العملية الوحيد لاسترداد مكانتها الدولية، وتأييد كلمتها وإرادتها وحفظ سلامتها وطمأنينتها، هي أن تضاعف أهباتها في التسليح حتى تستطيع أن تسحق أية قوة في العالم تفكر في مناوأتها والاعتداء عليها
وليس من العسير أن نستشف بواعث هذا التطور الحاسم في السياسة البريطانية الحالية