للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
زارني منذ بضعة أيام عدد من شبان هذا الزمان فنظرت إلى ثيابهم الجميلة وتفصيلها المحبوك على قدودهم الممشوقة وتحسرت على أيامنا. وكان بينهم واحد يلبس بنطلونا قصيرا فقلت له: (أتلبس هذا عادة؟) قال: (نعم. سبور) قلت: (في أي مدرسة أنت؟) قال: (في الخديوية) قلت: (أسمع. أنا أيضًا كنت تلميذا في المدرسة الخديوية ولا أذكر إني رأيت فيها - في تلك الأيام - تلميذًا يلبس بنطلونًا قصيرًا، لا أدري لماذا؟ ربما كانت الروح(الاسبور) تنقصهم في تلك الأيام، ولكني أعرف أيضًا أني في صغري كنت لا أقبل أن ألبس هذا البنطلون القصير. . . كان أخي الأكبر يأخذني قبيل افتتاح المدارس إلى محل (ماير) ، وكان أشهر محلات الثياب في تلك الأيام، فيعرض على البائع أمثال هذا البنطلون فأقول لأخي: هذه سراويل لا بنطلون، وآبى كل الإباء أن أتخذها. وأصر على البنطلون الطويل فيضحك أخي ويقول للبائع: (هات له بنطلونًا طويلًا. . إنه يريد أن يكون رجلًا ويحس انه رجل، فلا داعي للتنغيص عليه) . وأنا أفهم أن تلبس هذا القصير حين تلعب ولكن الحياة ليست كلها لعبا. . فيها ساعات للعمل والجد على ما أظن)
فقال أحد زملائه: (إنه لا يزال صغيرًا)
قلت: (لا أدري. لقد كنت أيضًا صغيرًا لما كنت أرفض ارتداء هذا البنطلون. كنت في التاسعة من عمري يومئذ. وأحسب أن من كان في التاسعة جدير بأن يسمى صغيرًا. . وليس للإحساس بالرجولة وقت معين أو سن مخصوصة. . فمتى تريد يا صاحبي أن تشعر إنك رجل!)
والتفت إلى إخوانه وقلت لهم: (ليت واحدًا منكم يقول لي كيف تقضون يومكم)
فترددوا، وصار واحد منهم يبتسم، وثان يفرك يديه، وثالث يتمتم بكلام غير مسموع فقلت لهم: (أنا اصف لكم كيف كنا نقضي اليوم في حداثتنا. . . كان بيتنا في ذلك الوقت عتيقا جدًا، وله فناء واسع كبير فيه شجرة جميز ضخمة. وكان في الفناء(حاصل) رحيب فيه أيضًا بئر، فكنت أستيقظ في الساعة الخامسة صباحًا - صيفا وشتاء - فأنحدر إلى هذا الحاصل وأدلي دلوي في البئر فأملأه وأصبه على بدني - بعد خلع ثيابي طبعًا. كان هذا