رمبراندت
للدكتور احمد موسى
بقية ما نشر في العدد الماضي
أما صور الجماعات، فمنها ما هو في منتهى الروعة والقوة. وصورة التشريح تمثل عددًا من فطاحل أطباء أمستردام متلفتين حول جثة منبسطة على منضدة التشريح، والدكتور تلب يلقي عليهم شيئًا عن حالة تشريحية معينة أتم الفنان تصويرها سنة 1632، وكانت في دار جماعة الأطباء بأمستردام إلى أن أخذتها الجليري الملوكية في الهاي. وهي صورة تمثل ثمانية اشخاص، سبعة منهم يستمعون لثامنهم وهو الدكتور تلب، وتظهر على الوجوه إجمالًا ملامح الوقار العلمي والشوق إلى معرفة الجديد. أما الدكتور تلب فقد مثل الثبات والهدوء اللازمين للعالم، ماسكًا (جفتًا) بيمينه رافعًا به الشرايين، ناظرًا إلى زملائه، متحفزًا للشرح، مشيرًا بيسراه إشارة العالم الواثق الذي تنبعث من عينيه نظرة محيطة بالدرس والفحص؛ وتبدو على وجوه المستمعين ظاهرة الرغبة الأكيدة والاستغراب، انظر للواقف إلى جانب الدكتور تلب، ممسكًا صفحة ورق بيسراه، ألا ترى وجهه ناطقًا بالحياة؟ ثم انظر إلى التكوين المجموعي للرؤوس وقد بدت اللحى نامية تحت الذقن، سنة العلماء ذلك الحين. لقد جمع رمبراندت بين بساطة مظهر العالم وبين جلالة العلم والوقار، أما الجثة فلا يمكن إخراجها بأحسن مما أخرجه رمبراندت، فهي مسلوبة الإرادة تمامًا، ترى اليد مرتمية ارتماءً متراخيًا على المنضدة، فضلًا عما ظهر على الوجه من علائم فقدان الحياة؛ فالفم مفتوح والعينان مغمضتان، والجسم عار، والذراع الأيسر مشرح ظهرت منه الشرايين ممسوك بعضها بالجفت، وهي في مجموعها لا تدل فقط على القوة في الإخراج، بل تدل أيضًا على النزعة العظيمة التي نزع إليها رمبراندت، فهو ميال إلى الجديد، مدفوع بعامل الفن إلى خدمة النواحي البعيدة التي لولا تفكيره فيها واتجاهه إليها لما شرع في عمل شبيهاتها غيره من بعده
وتكاد تكون أهم لوحاته عمومًا صورة الحراسة الليلية وهي أكبرها مساحة، إذ بلغ طولها