بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته
للأستاذ زكي نجيب محمود
أحقًا يا غانم حم القضاء وقام فيك الرثاء؟ أحقًا طاح بدوحك العاتي منجل الفناء؟ وا فجيعتاه؟ قم إذن يا صاح فاهتف بالمحاجر أن تسح الدمع هتونًا سخينًا، وبالحناجر أن تسكب ذوب النفوس أنينًا حزينًا.
عجبًا! آستطاع الدهر في لمحة من الزمن، أن يطوي الشمس في ظلمة الرمس؟ آستطاع الموت بلفظة في لحظة أن يدك طودًا كان شامخًا بالأمس؟ أفي اليوم الذي نرجو للأمة فيه غانمًا وغانمًا، يهوي مخلب الموت، بين أشاجعه رعب القدر، وننظر فإذا غانمنا الواحد قد افتقدناه في مثل اللمح بالبصر؟ حنانيك يا رباه! أأصبت بالمنية غانمًا أم أصبت عشيرة في رجائها؟ أرميت بالبلية رجلا أم رميت الرجولة في سويدائها؟ فما كان فقيدنا في عداد القوم واحدًا كسائر الآحاد، بل كان ينبوعًا للرجولة دافقًا، وقلبًا للوطنية خافقًا، يمتلئ همة حتى ليسكب الهمة في بنيه، ويشتعل حماسة حتى ليبث الحماسة في مواطنيه، لا يدخر في سبيل ذلك ما وسعه من جهد اللسان والقلم. فهأنذا أطوي الليالي القهقرى أعواما ثلاثة، فإذا بالمطبعة العربية تذيع في الناس كتابًا لا يخطف العين مظهره، ولا يضج به في الناس منشئه ومسطره: جان دارك تأليف غانم محمد.
أقبلت على الكتاب حينئذ، ولم أكن أدري عن صاحبه إلا أشتاتًا منثورة، فحسبته بادئ الأمر كتابا من الكتب أخرجه للناس كاتب من الكتاب، فما هي إلا صفحات عشر أتلوها حتى همست لنفسي قائلا: كلا! تالله إن الرجل لكاتب بارع وأديب قدير، اختلجت في نفسه الفكرة عنيفة جبارة، تنشد التصوير والتعبير، فاستجاب لدعوة القلم وكأنه فولتير يثور فيسطر فيثير. نعم لم تكن إلا صفحات عشرا أتلوها حتى أيقنت أن الكاتب منتش مخمور، قبس من صحائف التاريخ هدى ونورًا ليلقيه في جوانحنا لهبًا مسعورًا! فما كتابه هذا عن جان دارك إلا منصرف تدفقت فيه أواذي نفسه المضطربة المصطخبة في بيان رائع خلاب. كأنها وحي النبوة يستحيل إلى بلاغ في كتاب.
(استمع إليه كيف يستهل كتابه: