للأستاذ السيد محمد زيادة
لست أكتب هذا لأكتب؛ وإنما هي شكوى أطرحها هنا. . . أما طرفها الأول فهو أنا، وأما طرفها الثاني فلا أدري أهو شعوري المرهف لكل كبيرة وكل صغيرة تمر به، أم هو وجداني المستوعب دائمًا كل ما فيَّ وكل ما أنا فيه، أم هو نفسي المتفتحة لكل ما ينتهي إليها من أمرها ومن أمر غيرها!!. فأني في هذا الشعور بهذا الوجدان مع هذه النفس أعيش في الدنيا كسفينة المستكشف عملها في اليم أن تظل حائرة على الوجه اليم فلا تكاد ترسو إلى شاطئ إلا لتنشد غيره؛ ويتملك رأسي خيال يقظ لا يهجع. ويقظة الخيال شقاء من الفن فهي شقاء في كل مواقع الحس لكل نواحي الحس.
وأراني منكوبًا بهذا الخيال مرزوءًا بهمه، ثم أراني أحبه ولا أحيا بغيره. . . فكأنما أنا بين بليّتين فيهما مشكلتان لا حل لهما فلا نجاة منهما. . .
وأحس أنني قد قدر علي أن أعيش هكذا حتى أموت هكذا؛ فما استريح يومًا من سعي الخيال وراء ما يعني وما لا يعني، ولا اقصر يومًا عن التفكير في صوره التي يستخرجها من صور الحياة. أتُراني مقطوعًا من قمة جبل محطوطًا عند سفحه، وأريد أن أرى وأنا عند السفح ما أراه وأنا في القمة؟. . أم تراني أخطأت إذ خلقت لتحتويني الدنيا فظننت أني خلقت لأحتويها؟. .
أمشي في الطريق فأرى قصابًا يمر بسكينه مرتين على رقبة ديك كبير، ثم يقذف به بعيدًا؛ فيقف صامتًا تتدفق الدماء من عنقه، وتزوغ عيناه فتارة تشخص إلى القصاب، وتارة تتطلع إلى الصبية الملتفين حوله يشهدون مصرعه، وتارة تنظر إليّ وكأنها تقول كلامًا، ثم يرقص الديك رقصة الموت إذ ترنِّحه المنية، ثم يرتمي على الأرض. . . فأُلقي عليه نظرة ساكنة ثم ألتفت عنه وآخذ سبيلي فإذا هي على غير ما كانت عليه، وكأن الشارع بما فيه من سابلة وما يحفه من مبانٍ خلوة هادئة في وهدة غارقة بين نجدين. فأستعيد صورة الديك مضطربًا ثم مذبوحًا ثم هامدًا فيخيل إلي أنه كان وقت ذبحه يقول: الآن قد آمنت بأنني ما خلقت إلا ليأكلني من كان يطعمني. .
ثم أغيب عن الوجود غيبة، وأظل أفكر ويشغل بالي التفكير. وقد يستنفذ هذا من وقتي ومن