للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
زارني مرة في مكتبي صديق كريم، وكان معي في ذلك اليوم أصغر أطفالي؛ فقد تشبث بي وأبى إلا أن يصحبني. فلم أر بأسًا من ذلك، وسأله الصديق بعد حوار طويل لم يعلق بذهني منه شيء (أبوك من. .) - قالها هكذا بالعربية الفصيحة - والصبي حديث عهد بتعلم القراءة والكتابة فلم يفهم (من) هذه وظنها شيئًا معيبًا أو غير لائق وهز رأسه منكرًا؛ فكرر الصديق السؤال، فقطب الصبي وقال: (توْ توْ) فنظر إليّ صديقي فقلت: (يا صاحبي إنه يحسب أن(من) هذه مثل قولك (كلب) أو (قط) أو شيء آخر لا يليق في رأيه أن يكونه أبوه، ولو كنت قلت له (مين) بالعامية لفهم وأجابك، وما أظن به الآن إلا أنه وقع في نفسه منك أنك تسب أباه وإني لأخشى أن يحقدها عليك ولا يكون رأيه فيك بعد اليوم إلا سيئًا، وأكبر ظني أنه سيحدث أمه عنك حديثًا لا يسرك أن تسمعه
وانقضت هذه الحادثة وأطلق الغلام خارجًا ليلعب فقد سئم الحوار الذي ارتفعنا به عن طبقته. فقال صديقي بحق: إنه موقن أن الصبي يشعر بوحشة مع أمثالنا من الكبار لأنه يحتاج إلى صغار مثله يفهمهم ويفهمونه فيسر بهم ويأنس. فقلت له إني لا أظن أن أبنائي يستوحشون حين أكون معهم لأني أستطيع أن أنزل إلى مستوى مداركهم فأكون معهم كأني أحدهم، فقال إن أمره ليس كذلك
وخرج صديقي فذهبت أفكر فيما قال فسألت نفسي: (لماذا لا نحسن نحن الكبار أن نفهم الصغار كما ينبغي أن يفهموا. . إننا لم نجيء إلى الدنيا كما نحن الآن. . ولم تلدنا أمهاتنا بأسناننا وشواربنا ولحانا ورؤوسنا الناضحة - أو التي نزعمها لغرورنا ناضجة - وإنما جئنا إلى الحياة صغارًا ثم كبرنا شيئًا فشيئًا. ولم تكن طفولتنا قصيرة العمر، بل كانت سنوات طويلات، وإن من الكبار لكثيرين لا يزالون أطفالًا وإن كانوا قد شابوا وشيخوا. . وأنّا لنذكر حلاوة الطفولة وجمال عهدها ونحن إليها ونتمنى لو أمكن أن نرتد إلى ما كنا في أيامها بكل ما حفلت به. . ومع ذلك لا نستطيع بعد أن كبرنا أن نفهم الأطفال ونفطن إلى أساليب تفكيرهم وقد كنا مثلهم. . ومع أن الطفولة ليست غريبة عنا ولا أجنبية منا حتى يستعصي علينا فهمها فان صفحتها تمحى من ذاكرتنا كل المحو فننقلب محتاجين إلى من