طاغور
شعره، تأمله وتساؤله، مناجاته، الشرق والغرب
للأستاذ يوسف البعيني
كأني بالقارئ وقد أثاره حب الاستطلاع فقال يطالبني بشوق واهتمام قائلًا: أراك قد اخترت - طاغور - موضوعًا لبحثك وحديثك دون سواه من الشعراء اللامعين على كثرتهم وتعدد نواحي الاستقراء في شؤونهم وشجونهم. وأنا حتى أجيبك إلى طلبك وأبين لك الغاية من اختياره لحديثي هذا، أريدك أن تعلم أن طاغور هو شاعر عبقري متصون ذو خيال رقيق تسربل بالرشاقة والفخامة والتوت عنه عواتير العقم والخشونة. وهذه مزية سامية لم يتصف بها شاعر من شعراء هذا العصر
على أن إذاعة البحث في شاعرية طاغور تتطلب أمرًا هامًا وهو أن نلقي نظرة بعيدة على شخصيته لنعلم ما إذا كان مثالًا صادقًا للعصر الذي يعيش فيه، وما إذا كان مرآة صافية لأخلاق البيئة التي ترعرع فيها. أم هو شاعر محلي محصور الثقافة والإحساس لا ينقل لقرائه سوى أصداء أوهامه، ولا يرسم شعره إلا المواضيع التافهة والصور الباهتة فحسب
أما أنا فأرى أنه يمثل عصره تمام التمثيل لأنه يعيش في عهد التجديد ونهوضه وبعثه، وفي عهد يقظة الروح بالشرق الأقصى وإذًا فأحلامه التي تلمع في شعره هي أحلام الجيل الذي يعاصره، ذاك الجيل الذي روعته الثورات والحروب، وأبهضته مخاوف الألم والموت
شعره
قرأت لطاغور كثيرًا من شعره، وكنت قبل أن أقرأ ذلك الشعر أعتقد أن الشاعر الحقيقي هو من يحسن حبك القوافي وسبك الألفاظ وتحكيم الأوزان. ولكن بعد أن قرأته وتذوقت أقواله وتصوراته أصبحت أعلم أن الشاعر هو ذلك المفن المتقد الإحساس الذي يحرق نفسه بخورًا فوق محاريب البشرية لينير تلك الأرواح العامهة في دياجي آلامها وبلاياها
وتأكدت أن الشاعر هو من يرهف أذنيه لاستماع خشخشة العبودية تجرها الأقدام الدامية في سيرها إلى أعماق السجون، ونحو أعواد المشانق!