للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
لو أني صدقت ما حدثني به شيوخ الجيل الماضي الذين هم في منزلة آبائنا وأعمامنا، وما رووه لي في وصف حياتهم المنقرضة ومعاملاتهم وعلاقاتهم، لكنت حريًا أن أعتقد أن ذاك الجيل الذي انقضى كان أفضل وكان حظه من الرجولة أعظم، ونصيبه من البساطة التي يستقيم بها النظر أوفر وأجزل؛ فقد كان الفقر لا يعيب أحدًا في ذلك الزمان. ولا يغري الصديق بالفرار من صديقه أو اجتنابه؛ وكان حسن الأدب والتواضع ولين الجانب لا يعرض المرء للاستخفاف أو قلة المبالاة به؛ وكان للعلم شأنه وكرامته، وكانت المعاملات تقوم على الصدق والثقة ولا تحتاج إلى الصكوك وما إليها؛ وكان الصغير يوقر الكبير، ولا يغمط الكبير فضل الصغير أو يبخسه حقه، إلى آخر ذلك مما لا حاجة إلى التقصي فيه. وقد أدركت بعض ذلك ففي وسعي أن أطمئن إلى الصدق في سائره، فمن ذلك أنه بعد وفاة أبي بشهور ثقيلة، دق علينا الباب رجل من العلماء كان زميلًا لأبي، وقال إن (الأفندي) - يعني والدي فقد اتخذ زي الأفندية في آخر زمانه - ترك معه قبيل وفاته مبلغًا من المال، وإنه لا علم لأحد بذلك، وإنه يخشى أن يزوره الأجل، ودفع إلينا المال ومضى مرتاح الضمير. ولا أدري ما شأن غيري، ولكن الذي أدريه أنه لو ائتمنني أحد على مال له لكان حقيقًا أن ييأس من رده!
وقد وجدت بالتجربة أنه لا كرامة لمن لا مال له، وأن صاحب المال، وإن كان قد جمعه بشر الوسائل وأرذلها وأسفلها، قد يغتابه الناس ويبسطون فيه ألسنتهم ولكنهم لا يلقونه بغير الحفاوة ولا يبدون له غير التعظيم والتوقير، وأن من شاء أن يضمن إكبار الناس له فليشعرهم بالاستغناء عنهم، وأن الناس ينزلونك حيث أنزلت نفسك، ولا يخطر لهم أن يرفعوك عنه، فإذا كنت معهم عف اللسان مكفوف السلاطة مأمون الغضب، لم يهابوك ولم يبالوك، ولم يتقوا أن يسيئوا إليك وإن كانوا يرون منك أنك تكره أن تسيء إلى نملة؛ وقد يظهرون لك الاحترام ولكنهم يعدون ذلك فضلًا منهم وإيثارًا للصنع الجميل، لا حقًا لك عليهم. أما إذا كانوا يعرفون أن أدبَك لا يمنعك أن تهيج بهم وأن لينك قد ينقلب صلابة وعنفًا، ورقة ملمسك خليقة أن تحور شوكًا حادًا كشوك القنفد، إذا خطر لهم أن يجاوزوا