للأستاذ عبد العظيم علي قناوي
أهلَّ أبو الفرج الببغاء في أعقاب عصر، وفي طلائع عصر آخر؛ أما العصر الأول فكانت الكتابة فيه جزلة مرسلة، تسير ذللًا لا أمت فيها ولا عوج، وترسل طبيعية لا تعمل فيها ولا تكلف، لا يلتفت الكاتب إلى غير المعنى الواضح الناصع في اللفظ المحكم والنسج المبرم؛ فقد كانت الأمة حينئذ - أواخر دولة بني أمية وأوائل دولة بني العباس - لا يزال بها رسيس من بداوة، وكتابها لا يفتأون ناهجين في أساليبهم نهج العروبة الخالصة، لم تشبها كدرة العجمة. ومن كان منهم أعجمي التفكير فإنه عربي قح في التعبير، ومن أريدت له من أبناء العجم - وما أكثرهم - المنزلة الرفيعة والحظوة المكينة لدى رجالات عصره وسراة دولته، فأداته الأولى حذق العربية والتبحر فيها، وممارسة الأدب والبراعة فيه، والاحتفال له، واتخاذ صناعة الكتابة وسيلة زلفاه، وسبب علياه، والمشرع الذي يشرعه لا يحلّئُه عنه أحد، ولا يذوده دون وروده ذائد؛ هو شدو اللغة بين بدوها، ينهل من قطرها ونبعها. ولقد كان أرباب السلطان يهيبون بمن يتخيلون فيهم مخايل الفطنة والموهبة والذكاء والنبوغ أو يتوسمون منهم فوقًا وحذقًا وبراعة ونبلًا؛ يهيبون بهم أن يهبطوا أول أمرهم في البادية تشرق فيها قرائحهم عن أفكار صافية، وتجري ألسنتهم على الألفاظ السليمة الخالصة، ثم يعوجوا إلى رهط الحضر يعبُّون من أخيلته السامية، ويعلُّون من معارفه الزاخرة، ولم تكن الفارسية قد زحمت العربية إلا بقَدر، والعجمة لا تزال محدودة البيئة والوطن؛ لأن كلتا الدولتين الغاربة والشارقة، أو الأموية والعباسية إبان ذلك تبغي مأربًا واحدًا؛ فالأولى تريد لعرشها نهوضًا ولملكها رسوخًا، على ظبات الرماح وعلى أسلات اليراع؛ والأخرى تطلب لنجمها الصاعد سطوعًا وتبني ملكًا ثابت الأساس، فرجالهما في حاجة إلى من يملك أسماع جمهور العامة بفصاحته الضَّافية، ويخلب ألباب قارئيه من الخاصة ببلاغته الصافية؛ وما حديث عبد الحميد الكاتب إلا شاهد ما نقول من أن دولة الكتابة كانت - ولا تزال - عمادًا قويًا لدولة السياسة
قام أبو مسلم الخراساني بالدعوة العلوية أو العباسية وظهر في كثير من الأقاليم، وذاع أمره