للأستاذ محمد سعيد العريان
- (أبي!)
- (سلمان!)
- (ما أريد يا أبي أن أكون بعد اليوم قطين النار!)
- (وَيْ! ما تقول يا بني؟ لقد نذرتك للنار قبل أن تخرج إلى الحياة فأنت هبة الرب إلى أبيك، وأنت وفائي للرب بما نذرت. أضلالًا بعد هدى، وكفرًا بعد إيمان. . .؟)
- (إن روحي لتتمرد على هذه العبودية؛ فما أرى هذه النار المعبودة تملك لي نفعًا أو تمنعه؛ إنني أنا أوقدها وأذكيها، ولو شئت لصببت عليها ذنوبًا من ماء يردها رمادًا رطبا!)
- (أي بني، إنه دينك ودين آبائك. أي نازية نزت بك فتمردت على ربك؟)
- (هيهات مني ما تريد يا أبي، وبرغمي هذا العصيان! إن في السماء إلهًا يقتضيني حقه من العبادة والتقديس، وإن صوته ليهتف بي في سدفة الليل، وفي وحدة القلق، وفي ظلمة اليأس؛ فما أجد لي طاقة على الإفلات من صوت الله. . .!)
جثا الشيخ الأصبهاني بين يدي ربه مطأطئًا رأسه في ذلة وانكسار، وبسط ذراعيه إلى النار في ضراعة واسترحام يسأل الهدى لولده الذي يؤثره بالحب من دون ما يتمتع به من زينة الحياة. وراح اللهب المتراقص يعكس على وجهه المتغضن أضواء تكشف عما يعتلج في نفس الشيخ من حسرة وأسى
وعلى مقربة من مجلس الشيخ جلس فتاه الأمرد (سلمان) معتمدًا رأسه بين راحتيه وسبح في أحلامه. كان ما يزال يرن في أذنيه صدى تلك الأنغام الندية التي سمعها منذ قريب في معبد المسيحية على أطراف المدينة، فشغل بها عما أرسله أبوه لقضائه من حاجته. . . وهفت نفس الفتى إلى زورة ثانية لرهبان المعبد، يستمتع فيها بما استمتع منذ ليال من عذب الأناشيد وحلو النغم، وبما يسمع من أحاديث الرهبان عن الرب الموجود في كل مكان ولا تراه العين. . .
وغدا الفتى مع الصبح على الكنيسة، يشهد مع الرهبان صلاتهم ويستمع إلى أناشيدهم. لقد عاش قطين النار في المجوسية بضع عشرة سنة لم يحس فيها بمثل هذا الجلال الروحاني