لبعض القراء ملاحظات تدل أحيانًا على جهل مروع بطبيعة الأدب.
من ذلك أنهم يعيبون على الأديب تحدثهم عن نفسه. أمثال هؤلاء القراء
لابد أن يكونوا من تلاميذ المدارس أو المتخرجين فيها حديثًا. فهم
يخلطون بين (معلم المدرسة) وبين (الأديب الفنان) . فمهمة (العلم)
الأولية أن يلقن أصول المعارف وأن يفرغ في أذهان النشء مادة
بعينها بغير أن يكون لشخصه دخل في الأمر. أما (الأديب أو الفنان)
فلا يلقن شيئًا ولا ينبغي له. لأنه يخاطب قومًا مفروضًا فيهم أنهم قد
جاوزوا مراحل الدرس؛ فهو يخرج لهم عصارة العلوم والمعارف
والتجارب مقطرة من خلال (نفسه) . إن كل ما نطلبه ونرجوه من
رجال الأدب والفن أن يحدثونا عن كل خلجة من خلجات نفوسهم، وكل
دقيقة من دقائق حياتهم، وكل لمحة من لمحات أبصارهم، وكل ناحية
من نواحي أحاسيسهم. إن (نفس) الأديب العارية هي كل ما ينبغي له
أن يضعه تحت أنظارنا. ومن لم يفعل ذلك فليس مطلقًا بأديب. فالأديب
هو الآدمي الوحيد الذي خلق لكي يفتح لنا نفسه لنرى من خلالها النفس
البشرية قاطبة. ويتحدث لنا عن نفسه فنرى من خلال حديثه كل
تجاريب الإنسانية الشاعرة. وإن كل رجال الأدب العظام ليسوا إلا
آدميين حدثونا طول حياتهم عن أنفسهم، بوسائل شتى. وأنا كقارئ لا
يروقني شيء مثل قراءة المذكرات التي يكتبها الأدباء العظماء عن
حياتهم الخاصة. والاعترافات والرسائل التي تتناول مسائل تمس
أشخاصهم. فنحن في تلك الكتابات المجردة عن أثواب التكلف