ينبغي أن نحترم أولئك الذين يحترمون الفكر. رأيت هذا لأسبوع واحدًا من هؤلاء: هو طبيب فاضل، طلبني في منزلي بالتلفون مرات، ثم زارني في مكتبي مرتين دون أن يظفر بلقائي. ولم ييأس، فحضر الثالثة فوجدني، وأخبرني أنه يحتفظ بكل كتبي إلا كتابًا واحدًا، بحث عنه كثيرًا فلم يجده. وهو يدفع فيه الآن ابهض ثمن حتى لا تنقص مجموعته المجلدة أفخر تجليد. فلم يؤثر في نفسي أيضًا هذا الكلام، وأحلته في اختصار إلى مكتبة باعته النسخة بضعف ثمنها. وإذا بخطاب شكر واعتراف بالجميل يصل إلي من هذا الرجل في اليوم التالي شكر على ماذا؟ لست أدري. ولكني تأملت قليلا فخجلت. إن هذا الرجل يحترم الفكر في ذاته وينفق في سبيله الجهد والمال. إن هذا الرجل يشكرني وقد دفع ثمن النسخة بينما أراني قد أهديت كتبي تورطا أو حمقا إلى أناس لو يعنوا حتى بإرسال بطاقة شكر. وتذكرت أولئك الذين لا يفعلون شيئًا إلا أن ينتظروا أن نهدي إليهم كتبنا ليقرءوها متفضلين، أو لا يقرءوها مهملين. مثل هؤلاء ينبغي أن نحتقرهم مهما كانت مكانتهم. إن الفكر ما أرتفع قدره يوما إلا على أيدي رجال من طراز ذلك الطبيب الفاضل. وما صغر شأنه إلا على أيدي هذه المخلوقات التي تبذل مالها في كل شيء إلا في كتاب!
ولقد سرت عدوى هذا (التسول) الأدبي إلى الهيئات العلمية والثقافية. فقد جاءني كذلك هذا الأسبوع خطاب من دار الكتب الحكومية تطلب نسخًا من كتابي الجديد هدية أو (صدقة) ! وقد علمت أم الدار لها (مال) مخصص لاقتناء الكتب. ولكن ماذا نقول في زمن هانت فيه قيمة الفكر حتى بين الهيئات العلمية الرسمية؟ إلا فليعلم الناس منذ اليوم أني سأبطل عادة (الهدايا) ابتداء من كتابي القادم، وأني لن أقدم جهدي إلا لقرائي المخلصين الذين يقدمون إلي جهدهم وعنايتهم ومالهم. أما الآخرون فلن أعترف لهم بوجود. وإني منذ اليوم لن أحترم إلا من يحترم فكري ويسعى إلي ويبذل فيه ما يستطيع
توفيق الحكيم
قاسم أمين
هل كان كرديًا؟