ربما كان (كمال أتاتورك) أضعف من (مصطفى كمال) في الدلالة على نشور دولة في قائد، ونبوغ أمة في رجل، وبلوغ حكومة في زعيم، وتاريخ نهضة في حياة فرد! فإن (مصطفى كمال) أسم على كل أولئك نقشته في الآذان والأذهان الأقدار المصرِّفة والعبقرية الخلاقة في مدى عشرين سنة! ولكن (أتاتورك) لّقبٌ أطلقوه على النسر المحلق بعدما قبض مخلبه وطوى جناحه، فلم يطر معه في جو، ولم يقع به على فريسة، ولم يدل إلا دلالة الأبوة على الأسرة الطائعة والألفة الجامعة والرعايا الحنون!
لم يكن مصطفى كمال رحمه الله رجلًا من رجال المصادفة والحظ،
يرفعه إلى البطولة خلو الميدان، ويدفعه إلى الزعامة غباء الأمة؛ وإنما
كان من الصفوة المختارة الذين يضع الله فيهم الهداية للقطيع الذي
يوشك أن يضل، والحيويةَ للشعب الذي يأبى أن يموت. والغالب في
هذا الصنف من الناس أن يكون مستبدًا رأيه حاكمًا بأمره، لأنه يظهر
والقوم في ضلال أو انحلال فيكون تفرده بالأمر تنبيهًا من الله وتوجيهًا
من الطبيعة؛ ومن ثَمَّ كان المضاء والفداء والإيثار والعدل من أخص
صفاته
جرت الطبيعة في تهيئة مصطفى كمال على منهاجها في تهيئة الأبطال، فولدته في مهد الفقر، وربته في مدارج القرية، وغسلته بأنداء الحقل، وسقته من عرق العمل، ففلح الأرض، ورعى الغنم، وتلقى من الطبيعة الصافية الحرة أخلاق البطل الذي رمى المنجل وأخذ السيف، وأنصرف عن قيادة القطيع إلى قيادة الأمة
تستطيع أن تقول: أن الوراثة المختلطة والنشأة القروية والبيئة المقدونية والأم الصالحة قد فعلت فعلها جميعًا في تكوين مصطفى كمال؛ ولكنك لا تستطيع أن ترد إلى عامل من هذه العوامل ذلك القلق الروحي الذي استولى عليه في جميع أطوار عمره، فتركه ثائرًا لا يهدأ، وطامحًا لا يرضى، ودائبًا لا يستقر. إنما هو سر الينبوع يذيع، وقبس الإلهام يتقد، وفيض الحيوية يزخر؛ فهو راعًا قلق في المرعى، وطالب ثائر في المدرسة، وقائد متمرد في