داء الشباب!
(الخوف من الكلام في هذا الداء هو الذي أوقعنا فيه)
للأستاذ علي الطنطاوي
.. . وهل داء الشباب إلا الميل الجنسي الذي يملأ نفوسهم، ويسيطر على أرواحهم، ويتراءى لهم في كل جميل في الكون، شيطانًا لعينًا يقود إلى الهاوية وإبليسًا من أبالسة الرذيلة، يدعوا إلى دين الهوى، وشرع الشهوات، ويحدر عقل من يستجيب له فينزل من مكانه في الرأس إلى غير مكانه، ويجعل صاحبه عبدًا للجسم، مؤتمًا بالشيطان؟
وهل يأتي ممن كان إمامه إبليس، وشرعه هواه، إلا قطْ في شهر شباط. بل ما يبلغ والله أن يكونه، فان القط تشعله الشهوة شهرًا في العام، وسائر أيامه للصيد والوثب والسعي للرزق وما خلق الله له القطط، وعبد الشهوة من الناس تتعبده الشهوة في كل حين. . . وللقط طريق واحد إلى بلوغ شهوته هو (الطريق) الذي (شقه) الله لبقاء الجنس، تبعًا للسنة التي سنها، أما عبيد الشهوة من البشر فلهم مائة طريق. تسعة وتسعون منها تخالف سنة الله، وقوانين الحياة، وتأباها العجماوات، ويترفع عنها الحمير، ولا يرتضيها لنفسه (صاحب اللعنات) إبليس. . . والقط في شهر الشهوة، لا ينسى قِطيته ولا يدع صيد الفار، ولا السعي للعيش، والرجل إذا تعبدته الشهوة ينسى إنسانيته، ويهمل الواجب عليه، ويقعد عن المشي في مناكب الأرض في طلب الرزق، بل لقد تبلغ به السفاهة والجهالة أن يفرَّ من الحياة منتحرًا جبانًا ذليلًا، لأن. . . لأن امرأة لم تعطه من نفسها الذي يريد، ولو عقل عقل القط لتركها إلى غيرها، وليس يبالي القط مادام قد قام بقسطه من حفظ النسل، أكانت صاحبته بيضاء مبرقشة أو سوداء حالكة، ولم نعهد قطًا قطع نفسه بأسنانه، أو ألقى بها في البركة، حزنًا على حبيبته القطة. . . والقط (بعد ذلك) يبقى عزيزًا، يطارد القطة مرفوع الرأس، مشدود العضل، بادي القوة، والرجل إذا استعبدته الشهوة يصبح ذليلًا حقيرًا، كافرًا بالرجولة، فيهمل دروسه إذا كان طالبًا لأن صاحبته (أو شيطانته) لم تدع له وقتًا ولا عقلًا للدرس؛ وإذا كان موظفًا أنسته عيناه أمانة العمل، وحرمة المصلحة، وواجب الشرف،