للأستاذ عبد الرحمن شكري
يرى أكثر الناس أن الحق جوهر لا يتجزأ، وانه إذا كان عند إنسان أو طائفة من الناس لم يكن عند خصومه أو خصومهم شيء منه. ومن ير هذا الرأي تضؤل ثقافته ويضؤل فكره. وهؤلاء المؤمنون بالحق قد يرون من المنكر الشنيع أن يجزئوه بين خصمين أو أكثر. وفي الناس طائفة أخرى على شيء من الثقافة تستطيع أن ترى ما للأضداد من الحق، ولكنها من أجل ذلك لا تؤمن بالحق لزعمها أن الحق لا يتجزأ، فإن تجزأ انعدم؛ وإنكارها الحق بسبب تجزئه نقص في ثقافتها ينشأ من قليل من الثقافة، فإن بعض الثقافة عن يعوِّق عن بعض. والدهماء وأشباه المتعلمين يغرون بمحاكاة هذه الطائفة في إنكار الحق، والتشبه بها في الزراية عليه من غير بصيرة ولا فهم، ويتشبهون بها في الزراية على كل ذي حق من فضل في العلم أو العمل أو الخلق، ويتشبهون بها في إظهاره بمظهر المزيف المخادع. وإذا كثر أمثال هؤلاء وأشباههم في أمة ماتت روحها وأصابها الركود وإن كانت حية ترزق. والرجل من هؤلاء إذا وجد لإنسان حقًا أنكره، وإذا وجد له نصف حق أنكره، وإذا وجد له ثلث حق أو ربع حق أنكره، لأنه في سريرة نفسه لا يرى لنفسه ذرة صغيرة من الحق تعدل اعترافه بجزء غيره من الحق أو كله. وكلما عظمت الثقافة عرف كل خصم جانب الحق الذي لخصمه، بقدر عرفانه جانب الحق الذي في ناحيته؛ وهم إذا عرفوه حقيقون أن تقل الخصومة بينهم، ولكن ربما لا تنعدم، لان كل إنسان يرى لنفسه من الحق نصيبًا أكثر من نصيب غيره، فيتقاتلون على تعيين حدود أجزاء الحق إن لم يتقاتلوا على تعيين حدود الحق كله. على أن الثقافة كفيلة بأن تلطف تلك الخصومة، لأن المثقف الباحث في نفسه المفكر فيها كثيرًا ما يراجعها، فإذا عادى عادى وهو يحسب في خصومته حسابًا لما قد يكون من خطأ النفس الذي لم يفطن له بعد في تقدير حقها، ويحسب أنه ربما يفطن له في مستقبل أمره. أما غير المثقف فإنه لا يستطيع أن يحسب حسابًا لما قد يكون من خطأ النفس الذي لم يفطن له. ولعل ألصق خصائص الثقافة وألزمها لها عرفان أوجه الحق عرفانًا ملحًا يدعو إلى الاعتراف بها ويدعو إلى حسبان سقطات الفكر من غير قصد والى إسقاط المرء الشيء ولو القليل من الثقة بالفكر كي يعدل به ما قد يكون من خطأ لم يفطن