لباحث فاضل
قرأنا كما قرأ كثيرون غيرنا ما كتب في الرسالة في موضوع الغرب والشرق؛ تتبعنا مناظرات كثيرة لفئة من الكتاب منهم العرب وغير العرب. وهذا الموضوع ليس حديث العهد بالجدل والمناظرة، فلطالما قام التفاضلُ بين الشرق والغرب على أن التفاضل فيما مضى قد قام على أساس جغرافي في تقسيم العالم لأن لكلٍ مِن العالمين عادات وطبائع تباين الآخر ولقد اتسع مدى هذا التباين حتى ألبس العقلية في كل منهما مظهرًا خاصًا تميزت به عن الآخر، فليس غريبًا بعد هذا أن نجدَ مثل هذا الاختلاف ممثلًا في كثير من أوجه الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية. وما مظاهر الحياة وطقوسها في جميع بلدان العالم إلا صورة لشخصيات الشعوب التي نشأت فيها والتي اشتركت البيئة والتراث في تكوينها
على أن هذا الاختلاف وإن شمل مناحي الحياة المتعددة وألبس العقلية مظهرًا خاصَّا بها فلا نعتقد بأنه اختلاف أساسي في العقلية؟ إذ من الواضح أن طبيعة العقلية قد استوت في قدرتها وقابليتها في أصل جميع الشعوب. وذلك الاختلاف الذي نرى أثرَه في منازع التفكير المتعددة يجب أن يرجع إلى بيئات تلك الشعوب والى المؤثرات التي قدِّر لكل شعب أن يتأثر بها. فمن سكن اليمن من العرب غير من سكن الأندلسَ منهم؛ فأوجه الحياة قد اختلفت فيما بينهما من أصلٍ واحد. فمن رجع إلى تراث الأندلسيين ثم نظر إلى تراث اليمنيين تبين له الفرق الشاسع في كلِّ شيء، أفيكون هذا الاختلاف داعيا إلى شطر العقلية إلى شطرين منها للأندلسي والناقصُ لليمني؟ ثم هل يعجز ساكنُ البادية عن مجاراة أعظم الأمم حضارة في كل شيء؟ إن هذا ليحملنا على تقرير الحقيقة وهي أنه ليس فرق أساسي بين طبيعة العقليات جميعًا. وعلى هذا فإن الصور الذهنية لكل شعب يغلب أن تكون مرآة للشكل المتكون من تفاعل خصائص ذلك الشعب التاريخية مع البيئة
أما القابلية العقلية والقدرة الفكرية فلا يحكم على مدى كل منها بمجرد النظر إلى طبيعتها في زمن واحدٍ وعصر منفرد. ذلك لأن العقلية تخضع كغيرها إلى مؤثرات تختلف قوة وضعفًا. ونصيب العقلية من كل ذلك أن تنزع في كثير من الظروف منازع شتى تباين