للأستاذ علي الطنطاوي
لقد أكرم الأستاذ قطب دمشق وجيرتها. . . وصمت عن تقويم كلمتي (ووضعها حيث ينبغي وضعها من الأدب والرأي في مدارج الآداب والآراء، وشاء لي بهذا الصمت أفضل مما شئت لنفسي) فلم يسعني إلا أن أشكر له ما تفضل به علي وعلى دمشق التي لن تنسى له هذا الفضل. . . ولكن متى سألت سيد قطب تقويم كلمتي ومتى طلبت إليه رأيه فيها؟ وهل بقى علي أن أصدر عن رأي سيد قطب فيما أكتب؟ لا يا سيدي، ما هكذا يكون النقد ولا هكذا تكون المناقشة. إني سقت رأيًا إن كان خطأ عدت إلى الصواب الذي تكشفه لي فيه، وإن كان صوابًا وجب أن تعود أنت إليه فبين خطأه من صوابه، وعد عن هذا الأسلوب أسلوب التعريض والسخرية، واعلم أني إن حططت عليك ساخرًا ومعرضًا لم أدعك حتى تلتصق بالأرض، وأنا من أقدر الناس على ذلك، ولكن ذلك شيء يأباه الخلق الكريم، وتأباه (الرسالة) ولقد كانت لي في هذا الميدان جولات، صرعت فيها كثيرًا من الكتاب المدعين المستكبرين، ثم أقلعت عنها واستغفرت الله، وأرجو ألا يضطرني أحد إلى مثلها. ثم إن العهد بك تنكر من الأستاذ شاكر هذا الأسلوب فما لك لا تنكر على أحد شيئًاُ إلا عدت فانغمست فيه إلى إذنيك؟
لقد أنكرت علي أن ذكرت المتقدمين من نقدة الأدب، ومازالت تبدأ في السخرية وتعيد، كأن ذكر هؤلاء المتقدمين جريمة في شريعة التجديد. . . وهاأنت ذا في مقالك الأخير (العدد 258) تقر بصحة مذهبهم في اللفظ والمعنى وتثبته بقولك في آخر مقالك: (قد تكون المعاني كذلك) - أي ملقاة على قوارع الطرق - وها أنت ذا تتبعه بفعلك: كانوا يأخذون البيت والبيتين فيتكلمون فيهما، وأنت تفعل فعلهم، تأخذ إذا تكلمت عن الرافعي بيتًا من الشرق وبيتًا من الغرب تتوهم أن فيه ضعفًا فتتخذه معولًا لهدمه، ثم تأخذ للعقاد ما تظن أن فيه قوة وجمالا، فتجعل منه وسيلة إلى مدحه، فكأنك لم تسمع بنقد حديث، ولم تدر به. . . وإلا فأين شروط النقد، وأين التجرد عن الهوى، وأين (الموضوعية) في البحث، وأين الدراسة العامة التي تكشف عن أدب الأديب من كافة نواحيه؟ أليس كلامك عن الرجلين هو المدح لهذا والهجاء لذلك؟ بل إني لأظنك والله لا تريد بالعقاد إلا شرًا حين تختار له ما