كنت أشكو ذات يوم عسرًا في الهضم وقلة في النوم، وأضيق ذرعًا بالأدب والأدباء، وإذا بزائر أديب يلح في طلب رؤيتي ولا يريد أن ينصرف حتى يجاب إلى ما طلب. وعلمت أنه ممن لم يسبق لهم أن رأوني؛ فخطر لي خاطر سريع: ناديت تابعًا لي وأجلسته إلى مكتبي وطلبت إليه أن يقابل الزائر باسمي، وانتحيت أنا جانبًا أقرأ إحدى الصحف. ولم يلبث الزائر أن دخل وسلم على تابعي في احترام قائلًا:
-يا أستاذ! إني سعيد جدًا إذ استطعت أن أراك. فأنا من قرائك المدمنين، اقتنيت كل كتبك، وطالما رسمت لك في مخيلتي صورة أراها الآن طبق الأصل. . . فالحمد لله لم يخب ضني في شيء. إني أراك الآن كما تخيلتك بين سطورك
فطرحت من يدي الصحيفة ونظرت إلى الرجل محملقًا. أهذا الرجل صادق؟ لا شك عندي في ذلك، فكلامه مفعم بالحرارة والإخلاص، ولكن كيف انطبقت تلك الصورة (طبق الأصل) على غير (الأصل) بهذه السهولة؟! وجعل هذا الزائر يكثر من ترديد اسمي ويسبغه في اقتناع على سكرتيري الجالس إلى مكتبي، فشعرت بخلجة من شك هزت نفسي. ماذا بقى مني إذًا؟ هذا هو (توفيق الحكيم) إلى مكتبه كما يعتقد الآن هذا الزائر، وتلك صورته كما ظهرت له من بين السطور. أما أنا فشيء لا علاقة له بهذا الرجل ولا بما قرأ. اسمي قد انفصل عني وانتزع مني في تلك اللحظة كما تنتزع الإمضاء عن (الكمبيالة) . وما أنا في تلك الساعة إلا كتلة من لحم ودم ملقاة على مقعد! وقد خيل إلي أن لفظ (توفيق الحكيم) ليس أكثر من (ماركة) توضع فوق كتب، مثل ماركة (الفابريكة) فوق علب (الساردين) . إن بعض (الأسماء) لتتخذ لها أحيانًا حياة مستقلة عن أصحابها. وهذا (الاسم) هو وحده الذي يباع ويشرى في سوق المكاتب والوراقين، ولدى الصحف والمجلات؛ أما الشخص فقد لا يعني أمره كثيرًا من الناس. ولأول مرة أدركت إني غير موجود في نظر الجمهور باعتباري (شخصية آدمية) ؛ إنما الذي يعاملونه هو (الشخصية المعنوية) ، فمثلي في ذلك إذن مثل شركة (النور) و (الغاز) و (المياه)
توفيق الحكيم