أقصوصة من تشيكوف
1 -في القرافة
للأستاذ دريني خشبة
(الريح موشكة أن تهب فتكون عاصفة، والليل موشك أن يضرب فوقنا بِجِرانه، أفلا يخلق بنا أن نعود أدراجنا إلى المدينة؟!)
هذا حق فلقد كانت الرياح تزمزم في أشجار البتولا فتملأ مخارف الوادي بأوراقها اليوابس، وكانت شآبيب البرد قد أخذت تنهل فوق رؤوسنا فتنضح ثيابنا وتلفحنا ببرد شديد؛ وانزلجت رجل أحدنا فتعلق بصليب شاحب شاخص ليتفادى السقوط في الوحل، فلما اعتدل وقف مسبوهًا أمام اللوحة الرخامية وراح يقرأ اسم صاحب المقبرة:
(ييجور جريازنوروكوف. . . مستشار ملكي وفارس)
أوه! لقد كنت أعرف هذا السيد، المغفور له، لقد كان مشغوفًا بامرأته حبًا، وكان يمتثل أوامر ستانسلاف. . . ولم يقرأ في حياته شيئًا. . . وكانت معدته تهضم الحديد. . . فيا للحياة التي كانت حرية أن تمتد وأن تستطيل! لماذا مات يا ترى هذا الـ (ييجور) ؟! إنه لم تكن به حاجة إلى الموت، فلماذا قضى؟! وا أسفاه عليه! إنما هي عين المنية التي لا تنفع فيها التمائم قد أرصدت له؛ فراح المسكين ضحية التجسس والفضول!!
ذاك أنه كان يسترق السمع يومًا خلال ثقب المفتاح في منزل بعض أهله، وكان من دأبه أن يتلصص عليهم دائمًا، فانفتح الباب فجأة، وانفدغ الرأس الكريم، وسقط ييجور يتشحط في دمه، ثم مات على الأثر!
وصاحب هذه المقبرة!
مسكين جدًا. . . لم يكن يعاف شيئًا في حياته، كما كان يعاف الشعر. . . والشعراء! فانظروا كيف سخر به الشعر الذي كان يعافه، ويشمئز منه، ويضيق به صدره! لقد جصّصوا مقبرته كلها بأبيات من الشعر هي السخف بعينه. . . مسكين يا هذا، ذق إذن. . . وتقزز ما شئت. . . إنك لأنت العزيز الكريم!