للسيد جرجيس القسوس
كلمة تمهيدية
يعاني العلم مشقة كبيرة في التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة؛ وما عرف التاريخ منذ بدئه حربًا أشد هولًا من هذا النزاع بين الفرد والمجموع برغم محاولة الفلاسفة وعلماء الاجتماع ورسل الأديان التوفيق بينهما. إذ تؤثر الجماعة المحافظة، وتكره كلَّ ظاهرة يرجى من ورائها انتقاض كيانها وهدم صرح نظمها وتقاليدها. بيد أنه ينهض أحيانًا فردٌ يشهر عليها حربًا عوانًا فيصطدمان، فإن كتب الخلود انتصر عليها، وغلا طمس أثره وراح ضحية شذوذه
ولقد برهن التاريخ أن الحق في أغلب الأحيان للقوة، لذا ترى أن عدد أسماء العظماء في التاريخ قليل جدًا إذا ما قيس بعدد من خضع لأحكام الجماعة وسلطتها، وتمشى بموجب تقاليدها ونظمها. والعظيم بحق هو من فاضل الجماعة وغلبها، وتمكن من أن يسيرها حسبما يراه صالحًا
أما في العصور الوسطى فقد كانت للجماعة السلطة التامة على الفرد، دينيًا وعلميًا واجتماعيًا. فهناك الكنيسة تستأثر بالسلطة الدينية، وترى أن ما تسنه للفرد على الأرض من شرائع وقوانين يُسنُّ في السماء، وتتسلح ضده محاكم التفتيش والقطع والتأديب، وتتذرع بكل سلطة زمنية فوق الدينية لتقي حقها الذي هو حق الجماعة، وتحارب الزنادقة وهم - في رأيها - من شذّوا عن مبادئها وخالفوا أحكامها. ويلحق الكنيسة نظام الرهبنة وقد حل هذا النظام محل معاهد التربية في نشره الفضيلة، وتعزيزه ناحية من نواحي الرسالة النصرانية. وهنالك الطريقة الزهدية التي دعت إلى الزهد وعيشة التقشف والاتصال بروح الله في الحياة الدنيا، فسيطرت بذلك على فكر الفرد وحياته الروحية وقيدتهما مدة ليست قصيرة
أما الطريقة هيمنت على عقل الفرد، ووضعت له قواعد وحدودًا ثابتة، ليس له أن يتعداها أو يشذ عنها في حياته الفكرية. آما الاجتماع والسياسة فمعهدهما - كما سترى - لم يختلف كثيرًا عن فعل غيره من الأنظمة والمعاهد التي ذكرناها