للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
سأقص على القراء حادثة أعذر من لا يصدقها ولا ألوم من يرتاب في صحتها، ولكنها مع ذلك حقيقة، وبعض الحقائق أغرب من تلفيقات الخيال. وذلك أني على أثر الثورة المصرية في سنة 1919 ذهبت إلى الإسكندرية لأقضي فيها أيامًا أو لأتخذ فيها مقامي - حسب الأحوال - وكنت لا أزال سقيم الأعصاب جدًا. وكنا في رمضان فأفطرنا واسترحنا ثم خرجنا لنحيي الليل بالسهر كما هي العادة وكنت منشرح الصدر، ولكني لم أكد أتجاوز عتبة البيت حتى وقفت وقلت لقريبي إني محموم، فأنا راجع، فجسني فلم يجد بي شيئًا فأصررت على أنها الحمى، فرقدت وكنت لا أكاد أطيق الصهد الذي أحسه. وزال عني ذلك بعد ساعة أو اثنتين غير أني لزمت الفراش وعادني طبيب الأسرة في اليوم التالي فقال: إن هذه حمى عصبية. فاستغربت ولكني عانيت من الأعصاب ما جعلني أصدق كل شيء، وبقيت أيامًا في البيت زارني في خلالها صديقي الأستاذ العقاد وترك لي رواية روسية أتسلى بها، فأكببت عليها وقرأتها في ساعات أحسست بعدها أني صرت أقوى وأصح بدنًا وأقدر على المكافحة والنضال في الحياة، وأنه صار في وسعي أن أستخف بما يحدث لي سقم الأعصاب من الوهم. وعدت إلى القاهرة، ومضى عام فطلب مني بعضهم أن أترجم له رواية؛ فقلت لنفسي إني مدين لهذه الرواية الروسية بشفائي بالروح الجديدة التي استولت علي، فيحسن أن أنقلها إلى العربية عسى أن تنفع غيري كما نفعتني. وقد كان. نقلت الرواية بسرعة، وكنت أذهب إلى المطبعة لتصحيح المسودات فيقول لي العامل أحيانًا: إن الأصول نفدت، فأقعد في أي مكان وأفتح الرواية أروح أترجم وأرمي للعمال بالورقة بعد الورقة، وكأني أدون كلامًا حفظته من قبل. ولست أذكر هذا الأباهي به ولا أقول لكم إني رجل بارع، بل لسبب آخر سيأتي ذكره في موضعه. وفرغنا من الترجمة والطبع؛ ولم يعن الناشر بأن يبعث إلي بنسخة من الرواية ولم أعن أنا بأن أطلب أو أدخر نسخة؛ وقد نسيت أن أقول إني سميتها (ابن الطبيعة) وكان اسمها في الأصل (سَنين) وهو اسم بطلها. وليس هذا إعلانًا فقد نفدت من زمان طويل. كان هذا في سنة 1920. وفي سنة 1926 شرعت أكتب قصة (إبراهيم الكاتب) وانتهيت منها ولم أرض عنها فألقيتها في