سبأ ومأرب
رحلة في بلاد العربية السعيدة
تأليف الأستاذ السيد نزيه المؤيد العظم
للدكتور عبد الرحمن شهبندر
لقد قصر الأواخر عن الأوائل تقصيرًا معيبًا في وضع المدونات الجغرافية ووصف المسالك والممالك وصفًا علميًا مبنيًا على ملاحظاتهم الخاصة وقائمًا على وجهة نظرهم ولا سيما وصف الأقطار التي يهمنا شأنها ولنا ارتباط بها خاص؛ ومن هذه الأقطار التي تكاد تكون غفلًا من الذكر في مدوناتنا الحديثة القطر اليماني أو العربية السعيدة حتى صرنا إذا أردنا أن نلم بشيء من أخبارها وشؤونها اضطررنا إلى مراجعة ما دونه السياح الغربيون عنها أو إلى مؤلفات كتابنا من أهل القرون الوسطى. لذلك يعد هذا السفر الذي وضعه الرحالة الأستاذ نزيه المؤيد العظم تحفة ثمينة قد سدت ثغرة عظيمة في تاريخ نهضتنا الأدبية السياسية العلمية
والكتاب مكتوب بطريقة قصصية سهلة وبأسلوب سلس خال من التعقيد والتكلف يكاد من يقرأه يظن أن مؤلفه يحادثه وجهًا إلى وجه ولاسيما من عرف المؤلف معرفة شخصية وتعود سماع حديثه والطريقة التي يدلي حججه بها. وهو لم يبسط فيه أحوال اليمن بسطًا حياديًا مجردًا بل يتحين الفرص ليدلي بآرائه الشخصية ونظرياته الدينية والاجتماعية ويشير من حين إلى آخر إلى أغراض الدول المستعمرة في تلك الأرجاء
ومما استوقف نظري كثيرًا ملاحظة منه سبق لي أن تجرعت منها الصاب وأنا واقف على أسكلة عدن في أوائل سنة 1916، فقد حدث يومئذ أنني كنت قادمًا من الهند إلى مصر وكانت معنا في الباخرة سيدة إنكليزية أرلندية ملمة ببعض الشئون السياسية فذكرت لها النهضة العربية وكيف أن العرب يعملون لإعادة مجدهم الغابر واستقلالهم المنشود، فلما رست باخرتنا على عدن رأيت خليطًا من الغوغاء بألبسة قذرة وأصوات منكرة وحركات همجية مزرية يتقدمون إلينا على زوارق كبيرة لنقل البضائع. فصاح بعض الإنجليز من