للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
قلت مرة لنفسي: (لماذا لا أخرج للناس متنكرًا كما كان يفعل الولاة والسلاطين والخلفاء وفيما تحدثنا الروايات أو الخرافات؟) .
وليست لي رعية أتفقدها، ولا لي شعب أتعهد مرافقه ومراشده، ولكن هذا الخاطر استبد بي مع ذلك فلم يسعني إلا أن أجري معه إلى حيث يوميء؛ والتنكر فن، وإتقانه لا يتسنى إلا بالتدريب، ولكن قلت إن الله ركب لي في وجهي عينين أنظر بهما، وعندي مرآة تستطيع أن تريني هل وفقت أو أخفقت، وفي وسعي أن أعيد التجربة مرة وأخرى فلا أبرز للناس إلا وأنا مطمئن القلب.
وقد كان. اشتريت لحية كثة طويلة - شبرًا وبعض شبر إذا أردت الدقة - وشاربين وحاجبين، ومسحوقًا أبيض أنفضه على شعر رأسي، وشرعت أجرب - أعني ألصق هذه الأشياء بوجهي، وعيني على المرآة، وكنت أوصد الباب علي، وأنا أفعل ذلك، لأضمن الوحدة، ولأني اعتزمت أن أجعل التجربة الأولى في بيتي. فلما وثقت أني قد أحكمت التنكر، وأني أستطيع أن أقوم وأقعد وأمشي، وأحرك رأسي، وألمس لحيتي، وأفتح فمي، وأرفع حاجبي على هيئة المستغرب، وأضحك وآكل وأشرب من غير أن تسقط اللحية أو ينحرف أحد الحاجبين عن قوسه، أو يتدلى شارب، على حين يبقى الآخر مفتولًا - خرجت على أهلي، وعلى وجهي هذه الأشياء، وفي يدي عصا غليظة أتوكأ عليها وقد تقوست قناتي من الهرم، فلم تكد تقع علي العيون في مدخل الباب حتى صرخت أمي وجدتي وأسرعتا فسترتا وجهيهما عن هذا الشيخ الغريب؛ وكان أخي الصغير معهما فوثب إلى قدميه وصاح بي يسألني أنا من؟ ويأمرني أن أخرج، وينعتني بقلة الحياء وسوء الأدب ويهددني بالشرطة، وأنا أقول له بصوت يرعش من الكبر وما يجره من الضعف (حلمك، حلمك يا بني!) فيأبى أن يكون حليمًا، ولا يعبأ بشيخوختي، ولا يترفق بوهني البادي، ويدفعني عن الباب فأكاد أسقط على الأرض؛ فأنه صبي قوي، وأنا شيخ هم أقوم على العصا، فلم تبق لي حيلة إلا الخروج من البيت كما أمر. . .
خرجت مطمئنًا واثقًا؛ وإذا كان أخي - ابن أمي وأبي - لم يعرفني فكيف يعرفني الإخوان