نشر الأستاذ علي الطنطاوي في (الرسالة) عدد 178 بتاريخ 30 نوفمبر سنة 1932 ترجمة لمرثية جراي الشاعر الإنجليزي الشهير نقلًا عن قراءة صديقه الأستاذ حيدر الركاني، والأستاذ الطنطاوي أديب فنان لا يشق له غبار في كل ما يكتب، ومن الأفذاذ الذين رفعوا رأس الأدب العربي الحديث عاليًا، ومن الملهمين الذين أراد الله لهم ولأدبهم الخلود ليؤدوا رسالة الأديب الفنان للمجتمع الذي يعيش فيه. ومما لا شك فيه أن الأستاذ الطنطاوي يؤلمه أن يقوم إنسان فيغير على آثاره الأدبية يترجمها ويقول على لسانه شيئًا لم يقله، أو يشوه أفكارًا وتعابير خالدة في فنه. ومما لا شك فيه أيضًا أن المترجم يحمل أمانة في عنقه لمن يترجم عنه، وعليه أن يؤديها غير منقوصة، وألا ينقل إلا الواقع وإلا ما أراده ذلك المترجم عنه. وعندي أن الأستاذ لو ترجم المرثية عن أصلها لبان له من روحه الفنانة وإخلاصه ما يجعل ترجمته في دقتها تقف في صف واحد مع ترجمة جرالد للرباعيات الخيامية المشهورة. ولو كانت صفحات الرسالة تتسع لأكثر من هذا المقدار لقدمت أمثلة على عدم دقة النقل؛ والذي يراجع الأصل لا يجد صعوبة في اكتشاف ذلك وهو كثير. على أن الواقع يدفعني إلى تقديم الشكر للأستاذ الطنطاوي على الإجادة التي لا تجارى في ترجمته التي كادت أن تقرب من الكمال. وإنا لنرجو أن يتبارى الشعراء في نقل هذه القطعة الخالدة إلى الأدب العربي شعرًا بالرجوع إلى الأصل مع الاستعانة بترجمة الأستاذ المذكورة.
وزيادة لفائدة القراء رأيت أن أذكر مختصرًا لحياة الشاعر توماس جراي وعن الظروف التي رافقت نظم تلك المرثية.
توماس جراي
ولد في السادس والعشرين من ديسمبر 1716 في كورن هل حيث كانت والدته وشقيقها يتجران بقبعات السيدات، وكان والده فيليب جراي كاتب عقود رسمية، وكان هو الوحيد الذي عاش من أسرة عدد أفرادها اثنا عشر شخصًا.
وفي سنة 1727 التحق بكلية إيتون حيث كان عمه مدرسًا مساعدًا في تلك الكلية، وهناك نشأت صداقته المتينة مع ريتشارد وست، وهراس ولبول، وتوماس اشتون.