للأستاذ محمد محمود جلال
نزلنا (برتشاخ) في أوائل أغسطس المنصرم نستجم بعد الاستشفاء في (بادجاستين) ، وبرتشاخ محلة تمتاز بالهدوء وتوسط الارتفاع عن سطح البحر فلا تكاد تصل إلى خمسمائة متر، وهي واقعة على بحيرة (فرتر) التي تعد من أجمل البحيرات في أوربا.
وهناك تقوم البواخر والزوارق من بخارية وشراعية مقام الترام والعربة والسيارة من وسائل النقل.
ففي أصيل أحد الأيام نهم لنستقل أحد تلك الزوارق التي تسير (بالبنزين) لمحنا في الأفق وعلى بعد نحو ميلين أو ثلاثة قوسًا يعلو البحيرة ويبدأ من الشاطئ الأيمن، فصاح ولدي وهو بجانبي: (هذا ماء وكأنه يخرج من مضخة) قلت كلا، وكيف ذلك وليس فيما نرى مساكن وهذا موضع بحذاء الطريق المعد للسيارات، ولولا أن القوس لا تظهر معها ألوان لقلنا إنه قوس قزح الذي نسميه في ريفنا المبارك (قصعة الرخاء) ونعده فألًا حسنًا للعام.
طلبنا إلى السائق أن يتجه إلى هذا المكان المنبهم علينا وهناك سألناه الإيضاح، قال: إن إلى يميننا بحيرة صغيرة تعلونا بكثير، ويزداد ماؤها بين وقت وآخر بحيث يخشى طغيانه، فأقامت له الحكومة محطة كهربائية تنقل منه جانبًا في يوم معين من الأسبوع وقد يتكرر ذلك في أيام أخرى غير معينة.
قلت: ولم تعملون على أن يتخذ في تصريفه هذا الوضع وفي الإمكان صرفه دون أن يرى وعلى وضع مستقيم.
قال: (إن أسماك بحيرتنا تموت من قوة الاندفاع، فحرصًا عليها لجأ المهندسون إلى هذه الطريقة) .
قلت: (أهكذا دائمًا قوانين الطبيعة لا تتغير؟ فالغريب من الماء كالغريب من الناس حين ينزل على غير بلاده مغيرًا أو محتلًا غاصبًا يخرب ويدمر ويعصف بالأوضاع كما يعصف بالأرواح، ولو رد جميع الناس إلى آدم وحواء كما يرد أصل هذه الأنهار والبحيرات إلى المطر!!
ذكرت على التو بلادي وما عانت منذ أكثر من خمسين عامًا في نظمها وأوضاعها وأخلاقها