للأستاذ عبد المنعم محمد خلاف
لم تعد الوحدة العربية خيالًا تغازله الأحلام في أفق بعيد، ولا فكرة سطحية تطفو على عقل ضحْلٍ كما تطفو الفقاقيع. . . وإنما صارت كونًا موجودًا وأمرًا مجسدًا له ذرية وأنسال يتوادون ويتظاهرون في المأساة وفي فرح الحياة. . . وله دماء قرب منها مزيجًا مزجته الأقطار العربية وقدمته لحماية فلسطين من عابدي الذهب. . . فللعروبة من ذلك قرة عين لأنها رأت على صفحة الدم المتحد صورة المجد القديم الذي أوشك الزمان أن يستدير بجدته ويقبل بدولته.
أجل! سلوا أشجارًا يابسة وجذوعًا جافة بشعاب فلسطين وبطون وديانها، وقد حالت إلى الإيراق والحياة: ما الذي نضَّرَ عودك ورد عهودك وأطال عمودك؟ وستجيب: إنها الدماء التي لم أُسْقَها من عهد صلاح الدين. . . الدماء التي مزجت أمشاجها فكرة إلهية فجعلت فيها إكسير الحياة حتى للأحجار والأشجار والمدر والوبر. . الدماء التي تسيل من الأسود والأبيض والأصفر والأحمر فتجمع خلاصة ما في الإنسانية من إخاء، وسر ما في المسلمين من توحيد. . . الدماء التي تطفئ ما للظالمين من نار، وتجرف مالهم من آلات الهول والدمار. . . الدماء التي تدخرها الحياة ثم تطلقها سيّالًا طهورًا هدّارًا رجافًا يغسل الأرض ويحدث الانقلاب وينقل الإنسانية إلى الأمام. . . الدماء التي تحمل عناصر إخصاب الإنسانية بالفكرة الإلهية والحرية والإخاء والمساواة والعدالة والرحمة والسلام والبر والتعاون حتى تلد الأمهات أمثال ابن الخطاب وابن عبد العزيز والرشيد وصلاح الدين. . .
يا فلسطين يا أرض النبوات! تلك رسالة جديدة تهبط من شعاب جبالك ومن بين (التين والزيتون) مرة أخرى على قلوب العرب والمسلمين، وقد كتبت بالدم الممزوج من نفوس تمثل أربعة أقطار من ميراث محمد بن عبد لله. . . تحدث أهل الأرض الذين استحالت حياتهم إلى نوع من حياة الأوابد والفواتك لقبح الثقة وسوء الظن، وشر المعاملة، أن لأخوة الإنسانية لا زال لها تحت جناح تعاليم محمد مكان تأرِزُ إليه وتلوذ به، وأن الأسرة التي كان يبغيها أبو البشر آدم على وداد وترابط وتضامّ حتى يكون له من ذلك معنى السمو على