للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
وأما صاحبُ القلب المسكين فما علم أنها قد رحلتْ عن ليلته حتى أظلم الظلامُ عليه، كأنها إذا كانت حاضرةً أضاء شيء لا يرى، فإذا غابت انطفأ هذا الضوء؛ ورأيتُه واجمًا كاسفَ البال يَتنَازَعُهُ في نفسه ما لا أدري، كأن غيابها وقع في نفسه إنذارَ حرب
لماذا كان الشعراء ينوحون على الأطلال ويلْتاعُون بها ويرتمضون منها وهي أحجارٌ وآثارٌ وبقايا؟ وما الذي يتلقاهم به المكان بعد رحيل الأحبة؟ يتلقاهم بالفراغ القلبيّ الذي لا يملأه من الوجود كله إلا وجودُ شخص واحد؛ وعند هذا الفراغ تقف الدنيا مليًا كأنها انتهت إلى نهاية في النفس العاشقة، فتبطل حينئذ المبادلةُ بين معاني الحياة وبين شعور الحي؛ ويكون العاشق موجودًا في موضعه ولا تجده المعاني التي تمرُّ به، فترجع منه كالحقائق تُلمُّ بالفراغ العقليّ من وعي سكران
يا أثر الحبيب حين يفارق الحبيب! ما الذي يجعل فيك تلك القدرة الساحرة؟ أهو فصلك بين زمن وزمن، أم جمعك الماضيَ في لحظة؛ أم تحويلك الحياة إلى فكرة؛ أم تكبيرك الحقيقة إلى أَضعاف حقيقتها؛ أم تصويرك روحية الدنيا في المثال الذي تحسُّه الروح؛ أم إشعارك النفس كالموت أن الحياة مبنيةٌ على الانقلاب؛ أم قدرتك على زيادة حالة جديدة للهم والحزن؛ أم رجوعك باللذة ترى ولا تمكن؛ أم أنت كل ذلك لأن القلب يفرغ ساعةً من الدنيا ويمتلئ بك وحدك؟
يا أثر الحبيب حين يفارق الحبيب! ما هذه القوة السحرية فيك تجتذبُ بها الصدرَ ليضمك، وتستهوي بها الفم ليقبلك، وتستدعي الدمعَ لينفرَ لك، وتهتاج الحنين لينبعث فيك؟ أكل ذلك لأنك أثر الحبيب، أم لأن القلب يفرغ ساعةً من الدنيا ولا يجد ما يخفق عليه سواك؟
ووقف صاحبنا المسكين محزونًا كأن شيئًا يصله بكل هموم العالم؛ وتلك هي طبيعة الألم الذي يفاجئ الإنسان من مكمن لذته وموضع سروره فيسلبه نوعًا من الحياة بطريقة سلب الحياة نفسها، ويأخذ من قلبه شيئًا مات فيدفنه في قبر الماضي. يكون ألمًا لأن فيه المضض، وكآبةً لأن فيه الخيبة، وذهولًا لأن فيه الحسرة؛ وتتم هذه الثلاثةُ الهموم بالضيق الشديد في النفس لاجتماع ثلاثتها على النفس، فإذا المسكين مبغوت مبغوت كأن الآلام