طور الثقافة في الأدبين العربي والإنكليزي
للأستاذ فخري أبو السعود
يمر أدب كل أمة بثلاثة أطوار كبرى تتبع عهود رقي الجماعة: فطور الهمجية يليه طور البداوة ويلي هذا طور الحضارة؛ وفي الطور الأول لا يكون للأدب وجود مستقل بنفسه، بل يكون الشعر تعبيرًا ساذجًا عن بسيط العواطف ممتزجًا بالغناء والرقص، ويكون النثر شذورًا من الخرافات والمعتقدات المتوارثة عن الآلهة والجان وقوى الطبيعة؛ ويأتي الطور الثاني بارتقاء عقلية الجماعة بممارستها أعمالًا أرقى وأدق واختلاطها بالأمم الراقية؛ وفي هذا الطور يتميز الشعر ويستقل عن غيره من الفنون وتتسع جوانب النثر، ولكن يظل الشعب على رغم ارتقائه العقلي فطريًا متبدِّيا، حتى إذا عبر هذا الطور إلى طور الحضارة ازداد ترفًا في الحياة ومارس العلوم المنظمة وعرف الكتابة، فظهر في أدبه أثر الثقافة والفن والصناعة.
وقد مر الأدب العربي بالطور الثاني من هذه الأطوار في عهد الجاهلية وصدر من الإسلام: ففي ذلك العهد كان العرب على جانب يعتد به من الرقي العقلي لمزاولتهم التجارة ووقوفهم على حضارة الفرس والروم، وفي ذلك العهد نضجت اللغة العربية نضجًا عظيمًا وبلغ الشعر من الرقي شأوًا بعيدًا، بيد أن الأدب ظل فطريًا بعيدًا عن أثر لثقافة والدراسة والتدوين والصنعة، ثم نهض العرب نهضتين علميتين في مدى قرنين: أولاهما بظهور الإسلام ونزول القرآن وفتح الأقطار، والثانية بترجمة علوم الأقدمين، وبذلك انتقل الأدب العربي إلى الطور الثالث من أطوار رقيه: وطور الحضارة والثقافة.
وقد انتقل الأدب الإنكليزي إلى هذا الطور أيضًا بنهضتين متواليتين: الأولى في القرن السادس عشر بوصول حركة إحياء علوم الأقدمين - البونان والرومان - من أوربا إلى إنكلترا، والثانية في القرن التاسع عشر عقب التقدم الصناعي العلمي الذي كانت إنجلترا رائدته وكان من أبنائها كثير من أئمة النهضة العلمية الحديثة في علوم الفلك والحياة والطب والنفس وغيرها.
ويلاحظ أن هناك اختلافًا في توالي النهضتين في الأمتين: فقد كانت نهضة العرب العلمية